قليلون هم الذين حملوا الوطن في صدورهم وصارت حياتهم حياته. وضمن هذا السياق، ينام مانديلا على سرير الموت المحيط به من كل صوب، فالرجل التسعيني آن له أن يقر عيناً الآن بعدما تحول إلى أيقونة التحرر والنضال في العالم. فالرجل الذي قضى نصف عمره سجيناً بسبب رأيه ومواقفه، ينتظر اليوم أن يودع العالم ليخلد اسمه في مجد التاريخ... هذا الرجل لم يساوم، ولم يتهاون، ولم يترك لأحد فرصة في أن يشك في حقيقة موقفه البطولي المتشبث بحق بلاده في الحرية. فالمبادئ لا تتجزأ، ولا يمكن أن تتحول وفق اتجاهات الريح البتة، إنها قضيته محاطة بالضرورات، وبالقيم ويستحيل أن تنسلها من ثوابتها أياً كانت الضغوط أو الصفقات. فالحرية هدف نبيل لا يمكن لإنسان سوي أن يتنازل عن كرامة بلاده التي هي جزء من كرامة أهل البلاد، وكان موقفه الصلب مدعاة للقلق من المحتلين لوطنه. كثيراً ما كان مانديلا مصدر خوف وقلق، وكثيراً ما كان سبباً في شحذ الهمم وفي تعزيز الاندفاع نحو المطالبة بالحرية، ورغم أنه كان سجيناً، فإن مجرد وجوده كان حافزاً لشعبه للاستمرار بالمطالبة بالحرية. فالرجولة تأتي من مواقف أصحابها، ومن همهم العميق بالحفاظ على قناعاتهم، والاستمرار في تحملهم المسؤولية الصعبة، التي تكفلوا بها ويصعب أن يتخلوا عنها ويولوا هاربين. واليوم عندما أدى القلق الشعبي في جنوب أفريقيا على صحة بطلهم الروحي الرجل الذي ضحى بكل شيء مقابل حرية وكرامة بلاده، فإنني لا استغربه، فالإصرار الذي كان مانديلا يضرم به نار الشعب ويدفع أبناء بلده من خلاله للاستمرار في المطالبة بالحرية وتمسكه بحرية وطنه رغم ليل السجن الطويل الذي عانى منه بجعله مصدر احترام عميق وحب أعمق، ورغبة في الحفاظ على هذا الرمز ليكون استمرارية لقيم الحرية والنضال والفوز بالكرامة رغم كل الصعوبات. فشعب مانديلا قلق جداً على حياته وصحته، والجنوب أفريقيون لا يبالغون عندما يعبرون عن حبهم له وذهابهم إلى المستشفى الذي يرقد فيه للاطمئنان عليه، لأن «رمزهم الوطن» مازال على قيد الحياة، وهم يتمنون لو يعيش تسعين عاماً أخرى، فهو بالنسبة لهم مرتبط بذكريات وبمكاسب وباستقلال وحرية شعب ووطن … فليس مستغرباً أن يكون له كل هذا الحب والاهتمام والخوف من أن يأتي يوم بلا مانديلا. مانديلا نموذج لن يتكرر، رجل حفر اسمه في تاريخ مضيء، وعندما يمرض ، فالحزن وقتها هو سيد المكان... هو ليس رجلًا عادياً مر مروراً سريعاً في طرقات الحياة. هو أسطورة قل نظيرها في التاريخ المعاصر، لذلك كان الاحتفاء به حياً واجباً وطنياً بالنسبة لشعبه. ربما منحته الحياة فرصة جديدة، وربما ذهب مودعاً، ولكنه سيبقى خالداً برمزه القادم والحر والمؤمن بالحرية حتى آخر رمق.