اندهشت أن أحداً ممن التقيت بهم وسمعت مواقفهم بشأن تسريبات «سنودن» وتجسس أميركا على الأوروبيين، لم يشر إلى السياسي الأميركي «هنري ستيمسون»، فهو تولى مرتين وزارة الدفاع في أميركا عندما كان اسمها يطلق عليه «وزارة الحرب»، كما شغل أيضاً منصب وزير الخارجية في الفترة بين 1929 و1933، وعندما كان رئيساً للدبلوماسية الأميركية قرر غلق جهاز استخباراتي أقامته الحكومة في ظروف ما بعد الحرب العالمية الأولى لاعتراض البريد وتفتيشه، مبرراً قرار الإغلاق بقوله «إن الناس المحترمين لا يقرأون بريد الآخرين»، وبالنظر إلى ما يحدث الآن فإن البون شاسع بين رجال الدولة المحترمين الذين كانوا يقودون البلاد وقتها وبين الرجال الذين يتصدرون للعمل العام حالياً. هذا الفرق في السلوك الذي تثبته فضيحة التجسس على المواطنين الأميركيين وغيرهم أثار جدلا واسعاً عند الأوروبيين الذين لم يستسيغوا أن يكونوا عرضة للتجسس وانتهاك خصوصيتهم من قبل حليفتهم أميركا، حيث يثور نقاش حالياً في العواصم الأوروبية حول إمكانية منح «إدوراد سنودن» اللجوء السياسي سواء في فرنسا، أو باقي عواصم الاتحاد الأوروبي، ما عدا بالطبع بريطانيا التي لم تخفِ تعاونها القديم مع وكالة الأمن القومي واعتراضها لاتصالات الغير. كما يناقش الأوروبيون أيضاً، على خلفية ما ولدته قضية «سنودن»، إمكانية إنشاء نظام عالمي يكفل منح اللجوء السياسي لمن يتعرضون للاضطهاد في بلدانهم بسبب ما ينظر إليه دولياً كعمل شجاع وجريء يستدعي المكافأة وليس العقاب. والحقيقة أن التوصل إلى إطار عام يحمي «سنودن» وأمثاله ليس مستبعداً، إذ يبدو أن الحكومة الأميركية ومعها الكونجرس وجزء كبير من الإعلام والرأي العام لم يتفهموا على نحو دقيق الغضب الذي تملك الأوروبيين عندما اكتشفوا، وهم يعتقدون بأنهم حلفاء لأميركا، أن الولايات المتحدة تتجسس على اتصالاتهم الخاصة سواء مواطنين، أو حكومات، وأن ذلك يحدث على نحو ممنهج للاستفادة منه تجارياً وسياسياً وأمنياً، وهو ما دفع العديد من المسؤولين الأوروبيين للتعبير علناً عن غضبهم مثل وزيرة الاقتصاد الرقمي الفرنسية، «فلور بيلرين» عندما قالت إنها صُدمت من عملية «التجسس الواسعة والمعممة التي تعرض لها السكان، وهو أمر أخطر بكثير من حالات التجسس العادية». والأكثر من ذلك أن الغضب لم يكن وليد التجسس على اتصالات مواطني دول الاتحاد الأوروبي سواء تعلق الأمر بالبريد الإلكتروني، أو حساباتهم الخاصة في مواقع التواصل الاجتماعي، بل حتى المكالمات الهاتفية، إنما امتد بعد اكتشاف تجسس واشنطن على الأمم المتحدة والبعثات الدبلوماسية للدول فوق ترابها، وربما حتى المؤسسات الأوروبية في بروكسل التي يفترض أنها محمية بموجب اتفاقات ثنائية مع الولايات المتحدة، لذا بدأت بعض الأصوات تتصاعد في أوروبا مثلما قاله أحد الخبراء لصحيفة «لوموند» الفرنسية من ضرورة «وقف الضرر الذي تحدثه عملية تخزين المعلومات في حواسب مركزية تسيطر عليها أميركا حفاظاً على سيادة الأوروبيين». وبحسب المعلومات التي أدلى بها «سنودن» للمجلة الألمانية «دير شبيجل» يبقى الألمان أكثر الشعوب الأوروبية تعرضاً للتجسس الأميركي، حيث يتم اعتراض الملايين من عمليات الاتصال يومياً. هذا الاعتراض للاتصالات يجري، حسب المجلة الألمانية، بالاعتماد على معدات متطورة داخل القاعدة العسكرية الأميركية بالقرب من فرانكفورت، كما يجري التجسس وفقاً لتقرير آخر بالاعتماد على منشآت تابعة لحلف شمال الأطلسي في ضواحي العاصمة البلجيكية، بروكسل، وقد عبرت وزيرة العدل الألمانية عن استيائها من عمليات التجسس الأميركية قائلة «إنه أمر يفوق الخيال أن ينظر أصدقاؤنا في الولايات المتحدة لأوروبيين على أنهم أعداء»، واصفة السلوك الأميركي بمخلفات الحرب الباردة الموجه هذه المرة ضد أوروبا. وبسبب التجسس الأميركي الصارخ بدأ مسؤولون في الاتحاد الأوروبي ومعلقون يطالبون بإرجاء، أو تعليق مباحثات التجارة الحرة بين أوروبا وأميركا المقرر انطلاقها في الأسبوع المقبل، إذ كيف يعقل لأحد أن يتفاوض على التجارة الحرة في ظل هذه الظروف التي يطغى عليها الشك وعدم الثقة؟ كما أن أوروبا ستكون أفضل حالا دون اتفاقية للتجارة الحرة تستفيد منها في جميع الأحوال الولايات المتحدة لما تتيحه للشركات الأميركية من إمكانية غزو الأسواق فيما هي تحمي سوقها الداخلية بموجب قانون يشجع على شراء كل ما هو أميركي. لكن الجانب الأخطر في تسريبات «سنودن» يبقى في ما أظهرته من خيانة أميركا لعلاقات التحالف والثقة القائمة مع الأوروبيين، فإذا كانت واشنطن تتجسس على الحكومات الأوروبية انطلاقاً من منشآتها العسكرية في الدول الأوروبية، أو تلك التابعة لحلف شمال الأطلسي والواقعة عملياً تحت السيطرة الأميركية، فإن الأوروبيين قد يقررون في أي وقت إزالة تلك القواعد على غرار ما قام به الجنرال ديجول عام 1966 عندما أمر الجيش الأميركي بمغادرة فرنسا. وحتى في السيناريو البعيد الذي يتحدث عن تهديد روسي لأوروبا، فإن هذه الأخيرة أصبحت اليوم أكثر قدرة على حماية نفسها، ولم تعد تعتمد بشكل كلي على إمدادات الطاقة الروسية، فيما «الناتو» تحول عملياً إلى مجرد ملحق للجيش الأميركي، ومع أن واشنطن لا تتحمل استراتيجياً وعسكرياً ترك أوروبا نهباً لتهديدات من روسيا، أو غيرها، إلا أن ما كشفته تسريبات «سنودن» يشير إلى أن «الناتو» والمنشآت العسكرية الأميركية سواء في أوروبا أو خارجها قد تحولت، حتى مع حلفاء أميركا، إلى ما يشبه حصان طروادة. ويليام فاف كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة « تريبيون ميديا سيرفس»