في الحضارة اليونانية، لم يضع فيثاغورس فقط أسس علم الحساب بل كان صاحب نحلة صوفية عملية تقوم على التطهير. ونظرية المُثل عند أفلاطون تبدو في الظاهر نموذجاً لأولوية المعرفة على الوجود مع أنها استقراء للكليات من الجزئيات طبقاً للجدل الصاعد كما هو الحال في الفن المصري القديم الذي نقله أفلاطون إلى نظرية المعرفة وعلاقتها بالوجود. بل إن المنطق الذي يعتبر خالِدة أرسطو وأعظم ما عبر عن عبقرية اليونان إنما هو تجريد لممارسات السوفسطائيين وتنظير لجدل سقراط معهم، وتحليل لأشكال القول دون مضمونه. وهو مرتبط أشد الارتباط بخصائص اللغة اليونانية كما لاحظ المسلمون منذ الشافعي في «الرسالة» حتى ابن تيمية في «الرد على المنطقيين» و«نقض المنطق». ولا فرق بين الطبيعيات والإلهيات. فهما علم واحد يتجاذبه جدل السلب والإيجاب. المقولات واحدة، الحركة والسكون، الجوهر والعرَض، الصورة والمادة، القوة والفعل، مرة إثباتاً للطبيعة ونفياً لما بعد الطبيعة فتنشأ الطبيعيات، ومرة نفياً للطبيعة وإثباتاً لما بعد الطبيعة فتنشأ الإلهيات. وترجع أولوية النظر على العمل إلى نزعة معرفية إشراقية صوفية خالصة بدأها أفلوطين عندما اعتبر أن الفعل ضعف في التأمل، يفيض عن الواحد بفعل التأمل وليس بفعل الخلق. وربما كان ذلك رد فعل على المسيحية ووقوعها في التشبيه. وربما كان أثراً من آثار الغنوصية الشرقية. ثم بدأ عصر الإحياء في القرن الرابع عشر، إحياء الآداب القديمة، تخلصاً من الفلسفة المدرسية والعقائد المسيحية وعوداً إلى الأساطير اليونانية وعظمة الإنسان. لم يكن نظرية في المعرفة بقدر ما كان نهضة حضارية جديدة لإنهاء العصر الوسيط وبداية فجر العصور الحديثة. وأخيراً جاء عصر النهضة في القرن السادس عشر ليغير مصدر المعرفة، من القديم إلى الجديد، ومن بطليموس إلى كبلر وجاليليو ثم إلى نيوتن، ومن النقل إلى العقل، ومن النفس إلى البدن، بل ليغير أيضاً مسار التوجه الحضاري العملي من العود إلى الماضي إلى التوجه نحو المستقبل بعد أن كسب المحدَثون المعركة ضد القدماء في الفكر والأدب والفن والعلم وفي كل مظاهر النشاط الإنساني. وفي بداية العصور الحديثة أسس الوعي الأوروبي مشروعه المعرفي في «الكوجيتو» الديكارتي «أنا أفكر إذن أنا موجود». وبدأ الاعتزاز بالمعرفة الجديدة و«العلم الجديد»، و«العلوم الجديدة» و«الأورجانون الجديد»، والتحقق من صدق هذه المعارف باتفاقها مع العقل ومع الطبيعة. والحقيقة أن هذا المشروع المعرفي الضخم إنما كان الهدف منه السيطرة على الطبيعة وتأسيس المجتمع المدني من أجل السيطرة على العالم. فقد واكب ما سمي بالكشوف الجغرافية منذ أواخر القرن الخامس عشر بعد سقوط غرناطة ونهاية فترة الحكم الإسلامي في الغرب مع بني الأحمر وبدايته في المشرق مع محمد الفاتح. لم يكن مشروعاً نظرياً خالصاً بل كان وراء الالتفاف حول القارات من البحار والمحيطات بعد أن فشل الدخول إلى القلب عن طريق البحر الأبيض المتوسط كبحيرة شبه مغلقة. وتم الالتفاف حول نصف الكرة الغربية من الشرق من الساحل الأطلسي ثم الاندفاع نحو الغرب حتى الساحل الغربي على المحيط الهادي. ثم تم الاندفاع جنوباً حول أفريقيا ثم شرقاً إلى جنوب شرق آسيا ومن ثم الاستيلاء على العالم القديم كله في أفريقيا وآسيا. العقل المطلق والسيطرة المطلقة صنوان. والعقل الشامل والحكم الشامل قرينان. وكان ذلك كله لخدمة التجارة عبر البحار في العصر التجاري ما قبل المرحلة الرأسمالية. ثم جاء القرن العشرون ليكمل المشروع المعرفي الغربي في الظاهريات مع هوسرل. والظاهريات في تأويل آخر نزعة إشراقية تطهيرية. فالقاعدة الأولى «الرد» أو «التوقف عن الحكم» أو إخراج الواقع المادي خارج دائرة الانتباه هي إبعاد للعالم وزهد فيه حتى يظهر عالم الماهيات وينكشف في النفس. فالحقيقة كشف كما يقول تلميذه هيدجر مطبقاً منهج الأستاذ. والوجود إنارة. كما أن هوسرل في أواخر حياته، في المرحلة الثالثة من فلسفته منذ «التجربة والحكم» عاد إلى العالم تأكيداً على شعار الفينومينولوجيا، «العود إلى الأشياء ذاتها»، والبحث عنها في التجارب السابقة على الحمل المنطقي. كما أن المخطوطات التي تركها والمصنفة تحت حرف K تعطي وجهة نظر أخلاقية دينية صوفية للعالم، ونظرة إيمانية مسيحية قلبية مما دفع عديداً من الأنصار إلى تأسيس فينومينولوجيا الدين. وظهرت دعوات عنصرية في الغرب تدعي أن الغرب وحده هو القادر على التنظير، والبحث المعرفي الخالص دون أدنى اهتمام عملي مصلحي نفعي. البحث عن الحقيقة المجردة مثل النقطة في الهندسة التي لا طول ولا عرض ولا عمق لها. وهي في نفس الوقت أساس الهندسة. جعل ماكس فيبر التنظير Rationalization خاصية فريدة في الوعي الأوروبي بعد أن درس تاريخ الأديان واكتشف الطابع العملي لديانات الشرق. ومن ثم فالماركسية بنقدها النظر نزعة غريبة على الفلسفة الغربية. والبحث عن الأنماط المثالية Ideal Types هو البحث فيما يتحكم في العالم. النظر سلطة، والعمل ضعف. والحقيقة أن ماكس فيبر يريد السلطة أي يريد العمل عن طريق النظر كعمل غير مباشر وليس عن طريق العمل المباشر أي الممارسة الفعلية. وسار في نفس التيار هوسرل مؤسس الفينومينولوجيا المعاصرة عندما جعل التنظير Theoretization صفة خاصة في الوعي الأوروبي، البحث عن الحقيقة المجردة، وبالنظر المجرد عن مثال أفلاطون والماهية الخالصة مع أن مثال أفلاطون هو الخير، وهي مقولة عملية. لذلك اعتبر أفلاطون مؤسس الفلسفة وليس سقراط لأنه شابته النزعة الأخلاقية. واعتبر سقراط أقرب إلى الشرق منه إلى الغرب. فالشرق أخلاقي عملي صوفي ديني في حين أن الغرب معرفي نظري عقلي «علماني». وقد تزدهر الدراسات الصورية الخالصة في المنطق والرياضة في النظم الشمولية نظراً لصعوبة التعرض للواقع الاجتماعي والسياسي. فآثر العقل الاتجاه نحو العلوم الصورية الخالصة كما كان الحال في بولندا إبان الحكم الشيوعي. فالنظر هروب من العمل وتعويض عنه. كما ازدهرت الرياضيات في أواسط آسيا بعد أن توقفت الفتوحات وضعفت الخلافة، ولم يعد الناس ينشغلون بهموم الدنيا. ولم يعد أمامهم إلا أمور الآخرة، النظريات الخالصة في العلوم أو تمني الفوز والنجاة في التصوف أو «الحكمة المتعالية» و«مشاهد الربوبية» كما هو الحال عند صدر الدين الشيرازي. والآن غابت فلسفات العقل وفلسفات الفعل معاً ولم يعد الوعي الأوروبي يعطي شيئاً. فبعد تحطيم العقل وسيادة اللامعقول، ظهرت التفكيكية لتقضي على ما تبقى من وظيفة للعقل وفككته وقضت على التمركز حول العقل Logocentricity وكل ما أبدعه العقل من قانون ونظام. وتأتي ما بعد الحداثة أيضاً لتقضي على كل شيء، العقل والفعل والبداية من الصفر بعد أن تنبأ نيتشه بعصر العدمية الشاملة. ربما انتهى العقل والفعل من الغرب، وبدأ الفعل في الشرق قبل أن يزدهر العقل تأكيداً على «الكوجيتو» العملي في الشرق في مقابل «الكوجيتو» النظري في الغرب. وإذا كان المشروع الغربي قد بدأ بالعقل والسيطرة فإن المشروع الشرقي قد بدأ بالفعل والتحرر. لذلك يشتد عليه الآن التهميش حتى تظل السيطرة للغرب باسم ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات، وصراع الحضارات ونهاية التاريخ. فهل يعي العرب في أي مرحلة من التاريخ نحن نعيش؟