تغيرات سريعة يشهدها العالم العربي اليوم، هي فوضوية أو مشوشة في المجمل، لكنها منظمة ومدروسة في خطط ومشاريع القوى الأخرى غير العربية في منطقة الشرق الأوسط، والتي تحدثنا عنها في مقال الأسبوع الماضي. ومع تصارع هذه المشاريع غير العربية، الإسرائيلي والتركي والإيراني، في منطقة الشرق الأوسط، نثير السؤال الأهم: من المستفيد الأكبر في نهاية المطاف؟ ومن الخاسر الأكبر جراء هذا التصارع؟ إذا نظرنا إلى المشروع الإيراني، ورغم الذكاء، أو الدهاء إن شئتم، الذي تتعامل به طهران مع المنطقة، فإن الكثيرين يتفقون على مساعي تفتيت مشروعها، من خلال جهود إثبات طائفية المشروع أو فارسيته وبالتالي وجوب إنهائه بقوى طائفية أو قوى معاكسة. مثال ذلك، اضطرار حركة «حماس» السنية للمشاركة في اللعبة الطائفية ضد إيران، خاصة ما يتعلق بالموقف من النزاع في سوريا (ملعب إيران الجديد بعد العراق). إلا أن طهران مازالت أحد الداعمين لـ«حماس» أو بعضها، وذلك في سياق المشروع الإيراني الذي يعتبر القضية الفلسطينية أحد ملاعبه الثلاثة عبر إعلانه الدائم الوقوف بوجه المشروع الإسرائيلي وكسب التعاطف الشعبي الفلسطيني والعربي. أما ملعبها الثاني المرتكز على التعامل مع الغرب، فيتجسد في مساعيها امتلاك التقنية النووية لتصبح لاعباً إقليمياً فوق إرادة الجميع. وفي هذا السياق، يتفق الكاتب الإسلامي الدكتور رحيّل غرايبة في مقال بعنوان «المشروع الإيراني والركام العربي» مع «التحليل القائل بأن إيران استطاعت الاستثمار في القضايا العربية والإسلامية لمصلحة مشروعها الخاص، كما استطاعت التأثير في اللعبة الإقليمية ضمن المعادلات العالمية والدولية بذكاء ملحوظ، أدى إلى كسبها الوقت الكافي لتمرير مشروعها النووي، الذي يجعلها تفرض نفسها لاعباً إقليمياً كبيراً في المنطقة، وسوف يجعلها مؤهلة للدخول في ميدان التنافس مع اللاعبين الأقوياء؛ إسرائيل وتركيا». إذن، المطلوب من جانب القوى الأخرى المناوئة هو تفتيت المشروع الإيراني الذي يتحول تدريجياً إلى مشروع حرب طائفية ومذهبية، لها أرض خصبة في المنطقة. وهذا طبعاً، دون أن ننسى أن المشروع الإيراني يواجه تحديات داخلية تعبّر عنها الأجيال الجديدة ترتكز على رغبتها في المشاركة السياسية بشكل فاعل، خاصة مع وصول رئيس جديد أقل ما يقال فيه أنه أقل تشدداً وأكثر رغبة في مشاركة الشباب في صنع القرار السياسي، رغم تعارض ذلك مع السلطة المطلقة للمرشد الأعلى خامنئي. وفي الوقت ذاته، يبدو أن المشروع التركي يتعثر (ربما مؤقتاً)، عبر تحرك ودعم قوي لحوادث تتكرر كما يحدث في أحداث ميدان «تقسيم» في إسطنبول. أما أنصار المشروع فيرون في هذه الأحداث استهدافاً للاستقرار الاقتصادي في تركيا، وللدور الريادي لأنقرة في المنطقة والعالم، الدور الذي بدأ بالبروز مع تنامي دور الإسلام في الحياة السياسية والاقتصادية. لقد أصيب بعض أنصار المشروع (ولو مؤقتاً) بخيبة أمل، وهم الذين كانوا حتى وقت قريب يرون في «حزب العدالة والتنمية»، والدعم المجتمعي الذي التف حوله، جزءاً لا يتجزأ من العملية الديمقراطية الصحية في البلاد. وها هو البعض الآن يكيل لذلك المشروع مفردات «الربيع العربي»: ديكتاتورية، قمع، تشبث بالسلطة. وفي هذا يقول الكاتب التركي «نصوحي جونجور» عن أحداث «تقسيم» إنها «أظهرت عدم وجود ثقافة فكر ليبرالي حقيقي في تركيا، باستثناء بعض الأسماء، وأن بعض الذين يحملون صفة الليبرالي، عديمي التأثير، كونهم يتخذون مواقف متقلبة، ترتبط بمدى الاهتمام الذي تبديه بهم رؤوس أموال في أسطنبول». كما أن عودة العلاقات التركية الإسرائيلية إلى جوهرها، أي التحالف الاستراتيجي رغم تباينات هنا وهناك، أساء عربياً لصورة تركيا التي سطع إشراقها في السنتين الماضيتين بسبب ما ظهر وكأنه نسف لتلك العلاقات الاستراتيجية. ومن جهته، يظهر الدور الأوروبي وهو يعمل، بشكل غير مباشر، على إفشال المشروع التركي، عبر «مكافحته» ورفضه لمحاولاتها المتكررة منذ عام 1987 دخول «الحلم الأوروبي». ولطالما تحججت الدول الأوروبية بمسائل حقوق الإنسان وحرية التعبير (أحداث تقسيم)، رغم أن هناك 35 فصلا عالقة بين الطرفين أحدها حقوق الإنسان وحرية التعبير. كما يجب ألا ننسى أن المشروع التركي، وما يتعلق بالمخزون الموروث بشأن عودة الإمبراطورية العثمانية، ضعف بعد أن حل «إسلام متشدد» محل «الإسلام العقلاني» الذي سعت إليه تركيا. الآن، مع سعي إسرائيل وحرصها على تحجيم الدور التركي الذي يتلاقى (سلباً) في ظل «داحس وغبراء» الطائفية في مواجهة المقاومة الإيرانية للمشروع التركي، وفي ظل مساعي قوى غربية متصهينة لأن يتوارى الصراع العربي الإسرائيلي ويحل محله الصراع المذهبي بين السنة والشيعة، وفي نطاق انشغال المنطقة كلها بترددات «الربيع العربي»، من فوضى وقتل في سوريا والعراق ولبنان ومصر وما ينتج عنه من خراب واستباحة للدماء ستؤدي إلى تحويل الدول العربية إلى دول منكوبة، نسأل: لمن ستكون الغلبة في المنطقة؟ وفي خضم هذا الصراع المحتدم، يتضح بجلاء أن المستفيد الأكبر هو الطرف الإسرائيلي. فكل شيء يصب في صالح الدولة الصهيونية، وهذا يجعلها الرابح الوحيد حتى الآن. وفي مقال افتتاحي تقول صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية: «الفلسطينيون لا يرون حلاً في الأفق للخلاف بين حماس والسلطة. مصر في حالة فوضى اقتصادية، والشوارع في حالة فوضى سياسية. المسلمون يهاجمون الأقباط، والإخوان المسلمون يصارعون السلفيين، وفي سيناء البدو يقاتلون الجيش. في ليبيا تذبح القبائل بعضها البعض، والجثث لم يعد يتم عدها. مدن تونس الكبرى أصبحت تحت منع التجوال كل يوم، والجنود السوريون يقتلون، بينما يجري القتال مع السلفيين على حدود الجزائر. العراق أصبح مقسما فعلياً إلى ثلاث دول، والحرب الأهلية مستمرة بكامل قوتها. نحن لم نذكر بعد ما يحدث في الصومال وتشاد وعدن والبحرين. لمدة عامين العالم العربي يحترق، ويدمر نفسه بدون أي تدخل خارجي، وهذا قد يستمر لعدة سنوات قادمة... كل يوم يقتل من 400 إلى 500 عربي في الدول المحيطة بنا... دعوا العرب يقتل بعضهم البعض في هدوء... بدلاً من أن نعطيهم سبباً للاتحاد في هدف يوحدهم: كراهية إسرائيل».