في أوائل يونيو الماضي، أجرى الرئيس الصيني شي جينبينج ونظيره الأميركي أوباما اجتماعات غير رسمية في كاليفورنيا دامت ثماني ساعات، حددا خلالها رؤيتهما للتعاون بين الصين والولايات المتحدة من أجل خلق نموذج جديد للعلاقات بين بلدين كبيرين. ومعلوم أنه منذ بدأت الصين والولايات المتحدة التعاون الثنائي قبل أربعين سنة، أصبحت مصالحهما متداخلة على نحو متزايد. فاليوم، هناك رحلة جوية بين الصين والولايات المتحدة كل 24 دقيقة، ونحو 10 آلاف شخص يسافرون عبر المحيط الهادي كل يوم. كما أن ثمة نحو 194 ألف طالب صيني يدرسون في الولايات المتحدة، وهناك 26 ألف طالب أميركي في الصين. وعلاوة على ذلك، فإن اقتصادينا يشكلان ثلث الاقتصاد العالمي، بينما يشكل شعبانا ربع سكان العالم، ويشكل حجم تجارتنا خمس المجموع العالمي. والواقع أن التعاون الصيني- الأميركي يعود بالخير على الشعبين. فقد أثبتت السلع الصينية غير الباهظة وذات الجودة العالية أنها تحظى بشعبية واسعة بين المستهلكين الأميركيين في وقت يتيح فيه السوق الصيني الكبير فرصاً ممتازة للشركات الأميركية. ففي عام 2012، على سبيل المثال، حققت 70 في المئة تقريباً من الشركات الأميركية العاملة في الصين أرباحاً، وفق استطلاع للرأي أجرته غرفة التجارة الأميركية في جمهورية الصين الشعبية، وأعلنت 40 في المئة منها عن هوامش ربح أكبر في الصين مقارنة مع معدلها العالمي. كما أن الأكثر من 1500 مطعم من سلسلة مطاعم ماكدونالدز الموجودة في الصين تفوقت على مطاعم ماكدونالدز أخرى في العالم من حيث الأداء. وعلاوة على ذلك، فإن الاستثمارات الصينية ساهمت في تقوية الاقتصاد الأميركي. وعلى سبيل المثال، فإن «محطة حاويات الحوض الغربي» التابعة لشركة «تشاينا شيبينج» في كاليفورنيا خلقت قرابة 10 آلاف وظيفة محلية؛ وقد أخبرني بعض الأميركيين أنهم يعتبرون هذا الميناء «الأكثر احتراماً للبيئة» في العالم. التعاون الصيني- الأميركي يشجع السلام والاستقرار والتنمية في منطقة آسيا- المحيط الهادي وما وراءها. وفي هذا الصدد، يحرص بلدانا على التعاون والتنسيق الفعلي بينهما بخصوص سلسلة واسعة من المواضيع، مثل المشكلة النووية الكورية والمشكلة النووية الإيرانية. كما نقوم بتنسيق ردنا على تحديات عالمية مثل محاربة الإرهاب، ومنع الانتشار النووي، وتغير المناخ، والأمن الإلكتروني، والأزمة المالية العالمية، وعملنا معاً من أجل تشجيع استقرار الاقتصاد العالمي وانتعاشه. وكل هذا يُظهر أن التعاون الصيني- الأميركي بات يشكل دعامةً للسلام والاستقرار العالميين. واليوم، تعمل الصين على تعميق إصلاحاتها الشاملة وانفتاحها على العالم. وخلال السنوات الخمس المقبلة، من المتوقع أن تبلغ الاستثمارات الصينية في الخارج 500 مليار دولار وأن تتجاوز الواردات الصينية 10 تريليونات دولار، كما يتوقع أن يفوق عدد سياحها المتوجهين إلى الخارج 400 مليون سائح. وهذا سيخلق آفاقاً مشرقة بالنسبة للتعاون الصيني- الأميركي. ولهذا، يتعين على كلا البلدين أن يغتنما هذه الفرصة لاستغلال هذه الإمكانيات الهائلة. الصين ملتزمة بدعم السلام والتنمية في العالم، وبالتعاون الذي يعود بالفائدة على الجميع؛ ولكن تنمية الصين لا تطرح تهديداً لأي بلد. ونظراً لأنها بلد كبير ومسؤول، فإن الصين مستعدة لتحمل مسؤوليات أكبر تتناسب مع دورها. ومما لا شك فيه أن سعي الصين وراء التنمية سيزيد من تعاونها مع الولايات المتحدة وبلدان أخرى. ونظراً لأن الصين والولايات المتحدة تختلفان من حيث التاريخ والثقافة والتقاليد والنظام الاجتماعي ومرحلة التطور، فمن الطبيعي أن تكون ثمة خلافات بين دولتينا. غير أن كلا البلدين يتحليان بالحكمة والرزانة الكافيتين لإدارة خلافاتهما ومشاكلهما. والأمر الأهم هنا هو أن نلتزم بالمسار الذي حدده الرئيسان ونتبع طريقاً جديداً مختلفاً عن الطريق التقليدي، طريق النزاع والمواجهة بين قوتين عظميين، ونتعاون من أجل بناء نموذج جديد للعلاقات بين بلدان كبيرة يقوم على الاحترام المتبادل والتعاون المربح للجانبين بما يعود بالنفع على شعبينا والشعوب عبر العالم. إن الحوار الاستراتيجي والاقتصادي الصيني- الأميركي الذي يعقد هذا الأسبوع يشكل مناسبة مهمة لإجراء محادثات عالية المستوى حول مواضيع استراتيجية مهمة. وتتمثل المهمة الرئيسية للحوار المقبل، الخامس من نوعه، في تطبيق الاتفاق الشامل الذي تم التوصل إليه خلال اجتماع الرئيسين الشهر الماضي، الأمر الذي من شأنه أن يعزز الحوار والتعاون في مجالات متنوعة ويقدم نموذجاً جديداً للعلاقات بين بلدين كبيرين. وإذا كانت جولات الحوار الأربع السابقة قد أنتجت أكثر من 340 نقطة اتفاق حول سلسلة من المواضيع، فإنني أعتقد أن هذه الجولة ستؤدي، بفضل الجهود المشتركة للجانبين، إلى الاتفاق حول عدد أكبر من المواضيع، وستنتج نتائج ملموسة أكثر، وستعزز جهودنا الرامية لبدء فصل جديد في التعاون عبر ضفتي المحيط الهادي بين الصين والولايات المتحدة. ------ يانج جيتشي مستشار دولة في جمهورية الصين الشعبية ------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»