شقّت الحالة المصرية العالم بين مؤيد ومعارض ومترقب لسير الأحداث، واصطفت الحكومات والشعوب العربية على جانبي الصراع بعد أن أعلن وزير الدفاع المصري الفريق أول عبد الفتاح السيسي الأربعاء 3 يوليو عزل مرسي وتولي رئيس المحكمة الدستورية العليا إدارة شؤون البلاد إلى حين انتخاب رئيس جديد. فبين حكومات أيدت تدخل الجيش لإسقاط مرسي ودعمت خريطة الطريق التي أعلنها السيسي، وبين أخرى عارضت التدخل لإسقاط أول رئيس مصري منتخب، يتضح أن الوصول إلى حلول وسط أصبح بعيد المنال في الحالة المصرية، فما بدا وكأنه بداية حل للأزمة بعد 30 يونيو، خلق أزمة سياسية أخرى بدءاً من تعريف الحالة، هل هي انقلاب عسكري للجيش أم انقلاب شعبي على الرئيس؟ هل هو انتكاسة لمسار الديمقراطية أم تصحيح له؟ وليس انتهاءً بالتساؤل حول خريطة الطريق المصرية. لقد فشلت التجربة الديمقراطية في مصر ليس لأن العسكر تدخل لعزل أول رئيس منتخب، لكن أيضاً لأن التجربة الديمقراطية استبدلت ديكتاتورية بأخرى، ولم تتأسس ثقافة ديمقراطية تتعايش خلالها الأطياف السياسية من قوى يمينية ويسارية وحركات إسلامية وأحزاب علمانية. فرغم أن نتائج الانتخابات أشارت لصعود «الإخوان المسلمين» فإن شباب ثورة 25 يناير ظلوا يشعرون بمرارة اختطاف الثورة، وكتب بلير، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، ومبعوث الرباعية الدولية إلى الشرق الأوسط، مقالاً في صحيفة «الأوبزرفر» تعليقاً على الأحداث في مصر قائلاً: «إن الحكومات الديمقراطية ليست وحدها حكومات فاعلة... وإن الحشود التي خرجت في مصر مدفوعة بوسائل التواصل الاجتماعي لا يمكن تجاهلها». العملية الديمقراطية ليست انتخابات فقط ومن ثم ممارسة التسلط باسم الشرعية، بل تعني في جوهرها تعايش الأطياف السياسية والحلول الوسط لاحتواء الخلافات ضمن مؤسسات، إلا أن «الإخوان»، وبعد مرور عام على انتخاب مرسي، أثبتوا فشلهم في إدارة شؤون الدولة، وقد ظهرت جلية منذ البداية رغبتهم في الاستحواذ على مفاصل السلطة بدلاً من التعاطي مع مشاكل البلاد الملحة، كالأمن والاقتصاد. وبدلاً من التعاطي مع المشاكل تعقدت مشاكل البلاد بسبب سياسات مرسي والتداخل في الأدوار بين التنظيم والدولة والحزب. ورغم الترحيب بتدخل الجيش المصري لعزل مرسي، فمن الصعوبة بمكان تجاهل التبعات المترتبة على حالة التأزيم السياسي والانشقاق الحاد بين متظاهري ميدان التحرير ومتظاهري رابعة العدوية، فإمكانية الوصول إلى تسويات سياسية بين المعسكرين تكاد تكون معدومة، والفجوة تتسع باطراد، ومن كانوا في الحكم أصبحوا في المعارضة، حتى أصبح مصطلح المعارضة المصرية بحاجة لتعريف في سياق الحدث. لكن ما حصل لا يعني نهاية «الإخوان» كفكر وكتنظيم، فهم كجماعة يمارسون العمل الاجتماعي منذ عقود ولهم وجودهم وسط شرائح من المجتمع المصري، بل إن الإطاحة بمرسي ستعيدهم للعبة المعارضة التي يتقنونها أكثر من إتقانهم لعبة كراسي السلطة السياسية. ويتعين على قادة شباب ثورة 25 يناير و30 يونيو أن يتعلموا من الدرس السابق وأن يمضوا من الاحتجاجات والتظاهرات إلى العمل السياسي الممنهج بتكوين أحزاب سياسية لها ديمومة تتجاوز ثقافة الاحتجاج والرفض إلى العمل والتخطيط والتنظيم ضمن هياكل حزبية وتكوين نخبة سياسية. فواقعياً لا تزال قوى الشباب ضعيفة ومفتتة وتفتقر إلى تنظيم وهياكل مثل ما لدى «الإخوان»، ولا يتوقع أن تحصد نتائج أفضل من نتائجها في الانتخابات السابقة. ومن الصعوبة الحديث عن تسوية سياسية في ظل حالة الاستقطاب الحاد التي تسود مصر، لذلك يبقى الإسراع في العملية الانتخابية الحل الوحيد للأزمة الحالية، بينما تبقى هناك مخاوف من أن تنزلق مصر إلى هاوية العنف المفرط.