ملك أوروبي آخر يتخلى عن العرش، لكنه أول ملك في بلاده يتنازل عن الحكم طواعية. فيوم الأربعاء الماضي، أعلن ملك بلجيكا ألبرت الثاني أنه سيتنحى في الحادي والعشرين من يوليو الجاري، بعد عشرين عاماً من توليه العرش، ليخلفه بموجب الدستور ابنه البكر الأمير فيليب دوق برابانت، وبعد أقل من شهرين على تنازل ملكة هولندا المجاورة بياتريكس، لصالح ابنها الأمير ويليام أليكساندر، ورغم أن دور الملك في بلجيكا رمزي إلى حد كبير، فإنه ينظر إليه بوصفه عنصر توحيد في بلد منقسم على نفسه ويسير باطراد نحو مزيد من اللامركزية. كما أن تطوراً كهذا من شأنه أن يعزز النظرة الإيجابية لدى البلجيكيين إلى العائلة الملكية. وألبرت الثاني ملك بلجيكا، واسمه الكامل «ألبرت فيليكس همبرت تيودور كريستيان أوجين ماري»، من مواليد عام 1934 بقلعة ستوفانبرج في بروكسل، وقد تولى العرش منذ عام 1993. وعند ولادته أخذ لقب «أمير ليياج»، وكان الابن الثاني للملك ليوبولد الثالث والملكة أستريد. وقد شهدت فترة طفولته ومراهقته أحداثاً مؤثرة، منها وفاة والدته عام 1935 بسويسرا، والاحتلال الألماني لبلجيكا خلال الحرب العالمية الثانية، حيث تنقّل مع عائلته بين فرنسا وإسبانيا وسويسرا. وفي ذكرى ميلاده العاشرة، يوم 6 يونيو 1944، كان إنزال النورماندي. لكن نهاية الحرب لم تأذن بعودة عائلته إلى بلجيكا، بل بقيت في منفاها السويسري حتى يوليو 1950، عندما عاد والده ليوبولد الثالث ليتقلد الملك، لكنه أجبر على التخلي عنه في العام التالي لصالح ابنه بودوان، بعد تكشف معلومات حول تعاونه مع النازيين خلال الحرب. وبعد أن أتم تعليمه في القصر الملكي وفي جامعات جنيف وبروكسل، بدأ الأمير ألبرت تدريبه العسكري في البحرية البلجيكية، وفيها ترقّى تدريجياً من رتبة ملازم عام 1953 إلى رتبة كومودور عام 1971. ثم تقلّد في عام 1954 أول دور رسمي له كرئيس للصندوق العمومي للادخار والتقاعد، والذي ظل على رأسه حتى إلغاء الصندوق في عام 1991، كما أصبح رئيساً للصليب الأحمر البلجيكي في عام 1958، والرئيس الشرفي للجنة الأولمبية البلجيكية، والرئيس العام لمكتب التجارة الخارجية البلجيكية، حيث أشرف على إنشاء وإرسال مئات البعثات التجارية في أنحاء العالم. وظل الأمير ألبرت في تلك المناصب حتى اعتلائه العرش. وعقب وفاة شقيقه بشكل مفاجئ، الملك بودوان الأول الذي لم يكن له أبناء ليرثوا العرش من بعده، تم تنصيب ألبرت في 9 أغسطس 1993 كسادس ملك لبلجيكا، حيث أدى القسَم أمام البرلمان الفيدرالي البلجيكي باللغات الرسمية الثلاث؛ الهولندية والفرنسية والألمانية. وخلافاً لأسلافه الخمسة، أعلن ألبرت الثاني وقوفه مع خيار الدولة الفيدرالية، ووقّع على الدستور الجديد في 17 فبراير 1994، والذي كان من نتائجه تشكيل حكومة اتحادية، وتقليص صلاحيات الملك. ورغم ذلك فقد ظل على أهمية كبيرة بالنسبة للبلجيكيين باعتباره رمزاً لوحدة البلاد. وقد أكد دائماً أن دوره الأساسي هو تشجيع ودعم الاتفاق على المستوى الاتحادي، بين المناطق الثلاث لبلجيكا ومجتمعاتها الثلاثة أيضاً، وتعزيز التفاهم بين اللغات الوطنية الثلاث، كما أيّد في خطاباته وجود مجتمع متعدد الثقافات، وأدان بانتظام العنصرية وكراهية الأجانب، ودعا لدعم التكافؤ في الفرص ومكافحة العنصرية. ومثْل شقيقه الراحل بودوان، فقد عرف عن ألبرت دعمه لمبادرات التكامل الأوروبي، بما في ذلك الانتقال من الفرنك البلجيكي إلى اليورو، وخُطط إنشاء جيش أوروبي مشترك في المستقبل... آخذاً في الاعتبار أن عاصمة بلاده بروكسل هي مقر الاتحاد الأوروبي. كما أبدى الكثير من الاهتمام بصورة بلجيكا في الخارج، وبالتواصل مع مستعمراتها السابقة وعلى رأسها الكونجو الديمقراطي في أفريقيا. لكن خلافاً لسلفه بودوان، فإن الملك ألبرت الثاني يحتفظ بمعتقداته وممارساته الدينية في النطاق الشخصي، حيث احتفل بتعميد جميع أحفاده بعيداً عن أي احتفال ذي طابع عام، وهو ما يتفق مع وجهات نظر دعاة الدولة العلمانية. كما أظهر احتراماً كبيراً للخيارات الديمقراطية وإرادة البرلمان، ولم يتردد في التوقيع على قانون يجيز القتل الرحيم، وقانون آخر يسمح بزواج المثليين، رغم معارضة الكنيسة الكاثوليكية. وخلال الأزمة السياسية (2010-2011)، والتي استمرت 541 يوماً، وكانت الأطول في التاريخ السياسي البلجيكي، أظهر ألبرت الثاني، في خطابه التقليدي بمناسبة العيد الوطني البلجيكي (21 يوليو 2011)، انزعاجاً واضحاً، فحذّر من أن مواقف الساسة البلجيكيين غير مواتية للاتفاق على تشكيل حكومة، وإيجاد حل وسط لإنقاذ مستقبل البلاد. وقدّم ألبرت الثاني نفسه كحصن ضد انهيار بلجيكا وانقسامها إلى كيانين؛ فلامندي وألوالوني، وأسهم دوره في إنهاء الأزمة عبر تعيين الاشتراكي «إيليو دي» رئيساً للوزراء في ديسمبر 2011. أما على صعيد الحياة الخاصة، فقد تزوج الأمير ألبرت عام 1959 في بروكسل من باولا روفو دي كالابريا، المنحدرة من عائلة ملكية إيطالية سابقة. وفي ظل عدم وجود وريث للملك بودوان، كان على الأمير ألبرت والأميرة باولا ضمان مستقبل السلالة الملكية من خلال أطفالهما الثلاثة: فيليب (مواليد عام 1960)، وأستريد (ولد في 1962)، ولورانس (ولد في 1963) وكان البعض يتوقع في عام 1993 أن يتنازل ألبرت الثاني عن العرش لصالح ابنه الأكبر الأمير فيليب، لكنه فضّل أن يتولى زمام الأمور بنفسه، وذلك بسبب عدم جاهزية ابنه حينها لحمل أعباء هذا المنصب، خاصة في ظل مشكلات اقتصادية كبيرة كانت تعانيها بلجيكا، علاوة على اتساع هوة الانقسام السياسي بين شطري المملكة؛ الإقليم الفلامندي الناطق بالهولندية والإقليم الوالوني الناطق بالفرنسية. بيد أن الصحافة تناولت منذ عام 2010 تنازله المحتمل، وفي مارس 2012 كانت صحيفة «لوسوار» أكثر إصراراً على استحضار فكرة التنازل، وشددت على أنه سيكون في 21 يوليو 2013، وذلك لمشاكل صحية يعانيها ألبرت الثاني، وللطبيعة الخاصة للمشكلات التي تواجهها بلجيكا في المرحلة الحالية. وأخيراً، أعلن الملك يوم الأربعاء الماضي تنازله قائلا: «أرى أن عمري وصحتي ما عادا يسمحان لي بأداء وظيفتي كما أود. وسأكون مقصّراً في واجبي وفي نظرتي لوظيفة الملك لو أردت الإبقاء على جميع المهام في مكتبي. لذلك فإنه بعد عشرين عاماً من الحكم، أعتقد أن الوقت قد حان لتمرير الشعلة إلى الجيل القادم، وهنا ألاحظ أن الأمير فيليب على درجة جيدة من الاستعداد للنجاح». محمد ولد المنى