أستطيع أن أرصد في الاحتفال المصري هذا العام بذكرى انتصار حرب أكتوبر 1973 مذاقاً مختلفاً. عادة كان الذهن الجماعي المصري على نحو عام وذهن الطبقة المثقفة والكتاب والصحفيين على نحو خاص ينصرف إلى استرجاع ذكريات المعركة ليسجل الفارق بين حالة الانكسار المعنوي الناتج عن هزيمة 1967 وبين الإحساس بالعزة والإنجاز الناتج عن النجاح في عبور القناة وتحطيم خط بارليف بمشاركة عربية.
إذن فقد درجنا في مصر على إحياء الذكرى على نحو تعبوي يؤكد على قيم الإخاء العربي والتلاحم العربي الذي تجسد في التنسيق العسكري المصري-السوري، وفي الدعم بالمال والعتاد من جانب الأشقاء فضلاً عن دخول المجموعة العربية المنتجة للنفط بسلاح وقف تصدير النفط كقوة ضغط استراتيجية على حلفاء إسرائيل في الغرب، فضلاً عن الاحتفاء بإرادة القتال وبسالة الجنود والضباط ودقة التخطيط العسكري وحسن الاستخدام للتكنولوجيا العسكرية.
هذا العام شعرت من خلال الأسئلة التي وجهها إليّ شباب الصحفيين والمذيعين في أجهزة الإعلام المصرية بميل للدمج بين حالة استرجاع الذكريات وبين قضية الإصلاح الداخلي من ناحية، وبين تفاقم مأساة القضية الفلسطينية من جانب ثان. ولقد تبدى التوجه نحو ربط الذكرى بقضية الإصلاح وإطلاق نهضة شاملة في الحياة المصرية من خلال أسئلة تتصل في مجملها بقدرة الشعب المصري على الأداء الكفء في المعركة وفي مرحلة الحشد والإعداد لها، وبكيفية استعادة هذه القدرة الجماعية لإطلاق قوي لعملية النهضة في مصر في زمن السلم. ومن بين الأسئلة التي وجهت إليّ كباحث مخضرم عاصرت المعركة وأصدرت كتباً حول آثارها على المجتمع والجيش والسياسة في إسرائيل... أسئلة تقول على سبيل المثال ما يلي: لقد أثبت الشعب المصري خلال السنوات الست التي فصلت بين هزيمة يونيو 1967 وبين انطلاق الطائرات والمدافع في أكتوبر 1973... أنه شعب قادر على الاحتشاد في وجه التحديات الخارجية التي تمثل تهديداً لأرضه الوطنية وسلامتها الإقليمية. ولقد أثبتت التجربة قدرة الشعب على إشعار المحتل أنه سيدفع ثمناً فادحاً مقابل ميوله للتوسع في الأرض المصرية. فلماذا لم تتواصل روح الاحتشاد والفداء والعطاء والتلاحم الوطني في زمن السلم لإنجاز نهضة شاملة في معركة البناء الداخلي؟.
وسؤال آخر يقول: بمعايير زمن حرب أكتوبر أثبتت المستويات المختلفة من القيادات والضباط والجنود من أبناء الشعب كفاءة عالية في عمليات التخطيط الاستراتيجي والتكتيكي وفي خداع العدو وتأكيد تصوراته أن مصر والعرب عاجزون عن شن هجوم واسع وفي إطلاق قوى التفكير الحر لتشجيع ابتكار الحلول للعقبات التي تحول دون تحقيق النجاح، مثل فكرة إزالة السد الترابي المرتفع على الضفة الشرقية للقناة باستخدام خراطيم المياه العملاقة، بعد أن أثبتت التجارب صعوبة إزالته بالقصف الجوي أو المدفعي... فلماذا لم يواصل الشعب المصري بعد انتهاء المعركة هذه الكفاءة في ابتكار الحلول لمشكلات حياته الداخلية؟.
وسؤال آخر يقول: لقد استطاع العرب في معركة أكتوبر أن يضربوا مثلاً ناجحاً في التلاحم والدعم المتبادل كلٌ بما يملك من قدرات وإمكانات، ونجحوا في إفهام العالم أنهم قوة موحدة لا يستهان بها، وفرضوا تغييراً فعلياً في موازين القوى الإقليمية أسهم بشكل واضح في تحرير الأرض المصرية... فلماذا لا نجد هذه القدرة العربية متحققة اليوم لتغيير موازين القوى الشاملة بما يمكن الشعب الفلسطيني من قطف ثمار انتفاضته وتضحياته النادرة في مواجهة العدوان الإسرائيلي وميول التوسع القبيحة الصريحة التي تلتهم أرض الضفة بالسور العازل وتعربد بالاغتيالات والحصار والعدوان العسكري وجرائم الحرب ضد الشعب الفلسطيني؟.
في تقديري أن هذا التوجه من الصحفيين والمذيعين الشبان يعني أن مثقفي الأجيال الجديدة الذين عايشوا الحرب وهم أطفال في غير سن الوعي قد امتلكوا عزماً على التنقيب في الماضي وخبراته الإيجابية بقصد أعمق من قصد الاحتفاء، وهو قصد استخلاص الدروس واكتشاف الطاقات الكامنة في شعبهم والتي أفصحت عن نفسها من قبل لإعادة إطلاقها من جديد لبناء الحاضر والمستقبل وليس لمجرد التغني بأمجاد الماضي الذي أصبح بالنسبة لهم تاريخاً سحيقاً لم يلمسوه أو يعاينوه.
سألني أحد الصحفيين الشبان: ما رؤيتك للتأثير العميق الذي أحدثته حرب أكتوبر في الذهن الجماعي الإسرائيلي؟ قلت: إن أهم تأثير نتج عن تهشيم خط حصون بارليف وتساقط الطائرات الإسرائيلية بالجملة عند اقترابها من القوات المصرية المهاجمة بقصد وقف تقدمها، هو تأثير تحطم التصورات الإسرائيلية التي ترسخت عن العرب نتيجة لهزيمة يونيو 1967. فلقد رتب الذهن الجماعي الإسرائيلي بدءاً من مصاف القيادة السياسية والعسكرية وانتهاءً بالأدباء والمفكرين ورجل الشارع منظومة من الأفكار عن القوة الإسرائيلية والعجز العربي أصبحت مع الوقت في قوة البناء الأيديولوجي الصلب والمتماسك. ولقد رصدت هذه المنظومة قبل حرب أكتوبر بوسائل متعددة بدأت بالتصريحات والبيانات الرسمي