لقد تلقى من كانوا قد أوشكوا على فقدان الأمل في مصر و«الربيع العربي» دفعة قوية من حركة «تمرد» ومن الصلابة التي أظهرها الشعب المصري من خلال المظاهرات الحاشدة التي خرجت إلى الشوارع وأبهرت العالم مرة أخرى، ففي الوقت الذي تتلاحق فيه الأحداث وتتسارع بميدان التحرير ومناطق أخرى فرضت مصر نفسها من جديد كبؤرة اهتمام على الصعيد الدولي، محتلة بذلك مساحات واسعة في الإعلام العالمي. ومع أن حركة «تمرد» ومنظميها ساندهم الشعب الغاضب على الرئيس المعزول مرسي لتوجهه المتزايد نحو التسلط في الحكم، وسعي حزبه لاحتكار السلطة والانفراد بمقاليد الأمور، إلا أنه لا مفر من التعبير عن الإعجاب والتقدير على قدرة «تمرد» في الحشد والتنظيم وتعبئة الملايين من المواطنين الذين وافقوا على رفع ملتمس موقع يطالب بانتخابات رئاسية مبكرة. وبالطبع كانت ردود الفعل الدولية حذرة تجاه التحرك العسكري وقرار الفريق أول عبدالفتاح السيسي، التدخل لعزل مرسي، حيث وصفه بعضهم بالانقلاب وذهب البعض الآخر في الولايات المتحدة، بمن فيهم الرئيس أوباما، إلى التلويح بإمكانية مراجعة برنامج المساعدات الأميركية العسكرية. ولكن قبل إصدار أحكام متسرعة علينا أولًا الإصغاء إلى الملايين من المتظاهرين الذين طالبوا الجيش بالتدخل، واحتفلوا في الميادين والشوارع عندما سقطت حكومة مرسي. ومن المهم أيضاً الانتباه إلى أن الجنرالات لم يعينوا واحداً منهم لقيادة المرحلة الانتقالية، بل أسندوا المهمة لرئيس المحكمة الدستورية العليا، وستكشف الأيام والأسابيع المقبلة ما إذا كان الجيش المصري ملتزماً حقاً بخريطة الطريق التي تعود في النهاية إلى حكومة مدنية. وسواء كان ما جرى انقلاباً عسكرياً، أو عملية تصحيح مسار، سيتم الحكم عليه ليس من خلال تحرك الثالث من يوليو الذي شهد عزل مرسي، بل بمدى الالتزام بحكم القانون واحترام حقوق الإنسان، والعودة السريعة للحكومة المدنية من خلال دستور وانتخابات جديدين. ولابد من الاعتراف بأن ما جرى ليس «ثورة ثانية»، كما ذهب إلى ذلك بعض المراقبين بقدر ما هو استمرار للثورة التي بدأت قبل عامين، حيث يبدو أن من قال إن السياسة لا تعيد نفسها مخطئ، فما قامت به حركة «تمرد» بمساندة واضحة من الجيش هو إعطاء الشعب المصري فرصة أخرى لإعادة إطلاق الثورة وتصحيح مسارها إثر انحرافها عن الأهداف المسطرة في البداية. ولكن المظاهرات وحدها والاحتشاد في الميادين لن يحققا التغيير المنشود، فلابد من توافر القدرة على التنظيم والتخطيط الاستراتيجي وإمكانية تنفيذ الاستراتيجية على الأرض باعتبارها عناصر النجاح الأساسية التي تنتقل من القول إلى الفعل، ومن مجرد التعبئة إلى الانخراط العقلاني في الممارسة السياسية. ولذا وبدلًا هذه المرة من الاستعجال في الذهاب نحو انتخابات جديدة يتعين ترتيب الأولويات جيداً، بحيث تأتي في البداية عملية تعديل الدستور، على أن يتم ذلك من خلال هيئة تمثل شخصية الشعب المصري وتشمل جميع الفئات العمرية. ولعل دعوة الجيش لليبراليين والمحافظين والقيادات الإسلامية والقبطية، فضلاً عن الشباب والنساء يبعث على الأمل في بدء عملية تشاركية لا تقصي أحداً، وتنكب على تلبية تطلعات الشعب المصري من خلال إنجاز وثيقة دستورية تحدد قواعد اللعبة السياسية. وهذه المرة يتعين على قادة الحركة الاحتجاجية إما الانضمام إلى صفوف الأحزاب السياسية القائمة، أو تشكيل حزب خاص بهم يستطيع الانتقال من الاحتجاج ورفع الملتمسات إلى العمل السياسي وتحقيق النصر الانتخابي. ومع أن الهياكل التي استحدثها الشباب في إطار حركة «تمرد» للتواصل مع الناس وجمع التوقيعات هو إنجاز باهر في حد ذاته، ولكن لابد اليوم من المرور إلى مرحلة الهياكل الدائمة القادرة على التنظيم وإقناع الناخبين بالتصويت لصالحهم. وهذا الحضور الانتخابي الوازن للقوى المعارضة كان غائباً بعد سقوط مبارك ما دفع «الإخوان المسلمين» إلى التقدم لملء الفراغ السياسي. كما أن الوضع الراهن يفرض على النخبة السياسية سواء المدنية، أو العسكرية، الانصراف إلى حل مشاكل الشعب المتراكمة، ولاسيما في ظل ما أظهرته استطلاعات الرأي التي أجريناها في مصر قبل سقوط مبارك وبعده من أن الانشغال الأساسي للمواطن المصري هو تحسن الوضع الاقتصادي. فيما اقتصرت الهموم السياسية التي أثارها الشعب على «الفساد والمحسوبية»، وقد بدا أن «الإخوان المسلمين» عندما تولوا السلطة لم يدركوا هذه الحقيقة، فبدلًا من التركيز فوراً على التنمية الاقتصادية وخلق الوظائف حاولوا تعزيز سلطتهم وفرض أجندتهم ومعاقبة المعارضين. وإذا كان لهذا الفصل الثاني من الثورة المصرية أن ينجح فلابد أن يلمس الشعب المصري إشارات قوية وفورية على حدوث التغيير، بحيث يتعين على حكومة التكنوقراط الجديدة أن تضم وجوهاً كفوءة تحظى بالاحترام. كما أن اللجنة المكلفة بتعديل الدستور عليها أن تعتمد مقاربة تشاركية تضم جميع فئات المجتمع المصري بما فيه «الإخوان المسلمون» أنفسهم. ومن الآن وحتى موعد الانتخابات على من يطالبون بتصحيح مسار الثورة أن ينخرطوا في عمل جاد لتنظيم أنفسهم والبروز كقوة سياسية. ولكن التغيير ليس سهلًا وعادة ما يكون مصحوباً بالفوضى والصعوبات، وهو الدرس الأساسي الذي تعلمه المصريون خلال أحداث السنتين الماضيتين. والعزاء الوحيد أن الشعب صار قوياً وممسكاً بناصية التغيير، كما أنه ما عاد الحكام قادرين على الإفلات من مراقبته والتمرد عليه.