التاريخ يحتاج إلى منظور، والمنظور يحتاج إلى وقت. هذا تحديداً هو السبب الذي دفع جوناثان التر للعودة إلى أواخر عام 2010 كي يبدأ منه كتابه الذي نعرضه هنا، «تماسك الوسط.. أوباما وأعداؤه»، والذي يدور حول حملته الانتخابية لعام 2012 . و«التر» صحفي محترف، مهتم بالتاريخ، وتربطه معرفة جيدة بأوباما، منذ كان سيناتورا في ولاية إيلينوي، وبات أحد المقربين منه بعد أن أصبح رئيساً، ما مكّنه من تأليف كتاب عن عامه الأول في السلطة تحت عنوان «الوعد». ويحاول التر أن يُكسب كتابه بعداً تاريخياً؛ لذلك نراه يعود إلى فترات سابقة في التاريخ الأميركي باحثاً عن أوجه الشبه بينها وبين اللحظة الحالية. ولذلك فإنه عندما يكتب عن ألد أعداء أوباما، وكبار كارهيه الذين ادعوا أنه مسلم راديكالي مولود في كينيا، فإنه يذكّرنا بأن تلك الكراهية لم تكن من نصيب أوباما وحده، بل هناك رؤساء أميركيون سابقون في التاريخ، عانوا من نفس الشيء، فابراهام لنكولن مثلا وُصف من قبل خصومه بأنه «قرد كثيف الشعر» وروزفلت وصف بأنه «مصاص دماء يهودي». وينتهي المؤلف من هذه المقارنة إلى أن الاتهامات التي وجهها خصوم أوباما له صبّت لصالحه في نهاية المطاف، حيث كانت غرابتها سبباً في ظهورهم كأشخاص غير عقلاء يفسرون كل شيء من خلال نظرية المؤامرة، ويبالغون في النقد لحد ممجوج وبصورة لا تؤدي سوى لدفع الناخبين المستقلين أو المتأرجحين لمعسكر الرئيس الذي تتبنى حملته مواقف وسطية معتدلة من معظم القضايا. ويخصص المؤلف فصلاً خاصاً لبعض عيوب أوباما، والتي أدت إلى سلسلة من الخسائر التكتيكية في مسار الحملة، منها افتقاده إلى تلك السمة الفطرية التي تمكن السياسيين من مغازلة خصومهم بغية التخفيف من حدة كراهيتهم لهم، وإرضاء غرور أنصارهم الأقوياء. فهو رجل لا ينتمي لهذه الشاكلة، كما أنه يأنف من الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة للعملية التشريعية، ويكره ثقافة الصورة، والتعليقات السياسية المباشرة، وهو ما قاد إلى أدائه الفاتر في المناظرة الرئاسية الأولى، والتي رأى فيها البعض مؤشراً مبكراً على خسارته الانتخابات، وفوز خصمه رومني قبل أن يتدارك نفسه لاحقاً. الكتاب في صورته العامة ينتسب للصحافة السياسية... فـ«التر»، وهو من المعلقين المنتظمين في الشبكات التلفزيونية الأميركية، أتيحت له الفرصة للاطلاع على التفاصيل الدقيقة لحملة إعادة انتخاب أوباما، واستغل ذلك الاطلاع كمادة للحديث عن الحملة. ومن التفاصيل التي عرفها المؤلف وخبرها بصورة مباشرة، أن فريق حملة أوباما كان يعتمد على استطلاع آراء الناخبين من خلال جولات مسائية بالأساس، وهو ما كان يساعدهم على إجراء مقابلات مع أعداد أكبر من الناس مقارنة بالأوقات العادية. ولاجتذاب أعداد أكبر من الأصوات الانتخابية، استخدم الفريق المعلومات الديموغرافية والسجلات العامة، لمعرفة أسماء الأشخاص الذين يعتقد أنهم لن يشاركوا في الانتخابات ولن يدلون بأصواتهم، ثم ترتيب اتصالات معهم من جانب متطوعين لحملة أوباما، لإقناعهم بالتصويت لصالحه. وفضلاً عن ذلك ابتكرت الحملة طرقاً جديدة لجمع التبرعات. فبالإضافة للتبرعات الصغيرة التي تأتي من جانب الأنصار، صمّم القائمون على الحملة تطبيقاً حاسوبياً يتم من خلال التبرع عن طريق الإنترنت من خلال نقرة على لوحة المفاتيح، وهي طريقة ساهمت في جمع كميات كبيرة من الأموال، خصوصاً حين كانت المؤشرات تشير إلى أن حملة رومني (بالغ الثراء)، تحصل على تبرعات ضخمة من كبار رجال الأعمال والأميركيين الأغنياء من أنصار الحزب الجمهوري. وفي فصل آخر من الكتاب يدخل «التر» إلى حملة رومني ذاتها، ليكشف عن الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها، والتي دعتها للاعتقاد عشية الانتخابات أن مرشحها فائز لا محالة. في نهاية هذا العرض، هناك سؤال يلح على القارئ الذي أعجب بما قاله المؤلف عن البعد التاريخي في بداية كتابه: هل يعتبر مرور عام على حدث تاريخي مثل الانتخابات الرئاسية الأميركية كافياً للحكم عليها، وهل يعتبر عام واحد منظوراً تاريخياً في الأساس؟ قد تكون الإجابة أنه عندما يتعلق الأمر بعالم السياسة فإن دورة الأخبار -التي لا تتجاوز 24 ساعة- تدور بسرعة أكبر بكثير من دورات التاريخ، لدرجة أن المرء يرتاح عندما يحاول أن يُكسب أي شيء بعداً في أسرع وقت ممكن. ولا شك أن الكتب التي تتناول أحداثاً قريبة يمكن أن تكون نقطة الراحة التي نحتاجها، حتى ندرك مغزى تلك الأحداث وتأثيرها على الواقع، وهو ما ينطبق على كتاب «التر» عن الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2012، فهو يبدأ في أواخر 2010، مع ظهور حركة «حزب الشاي» اليمينية المتطرفة، والهزيمة التي مني بها الديمقراطيون في الكونجرس، ويستمر حتى تحقيق أوباما لفوزه في الانتخابات بعد عامين من ذلك التاريخ. سعيد كامل ------- الكتاب: تماسك الوسط.. أوباما وأعداؤه المؤلف : جوناثان التر الناشر: سايمون وشوستر تاريخ النشر: 2013