تدين أميركا في نشأتها الأولى إلى ثلّة من الروّاد والمستكشفين الذين عثروا على ثرواتهم الخبيئة هناك وعضّوا عليها بالنواجز. ومن المستعمرات القديمة الواقعة إلى الشرق، وحتى التوسعات التي امتدت غرباً عبر البطاح والبراري وضفاف الأنهار، كان المستكشفون لا يملّون من البحث عن مناطق جديدة عامرة بالفرص والإمكانيات. وهذه الروح الاستكشافية الطموحة خبا سعيرها وانطفأ لظاها الآن وفي وقت أصبحت فيه الولايات المتحدة في أمسّ الحاجة لها، وهو الزمان الذي باتت فيه العديد من دول العالم ترى أن «مستقبلها المشرق يقبع إلى الشمال»، وهذا ما يدعونا للانتباه إلى أن مستقبلنا أيضاً يكمن في المنطقة القطبية الشمالية. ويتحتم علينا ألا نشكّ للحظة واحدة في الحقيقة التي تفيد بأن الولايات المتحدة هي دولة قطبية (تنتمي إلى القطب الشمالي). لكن السؤال الذي يجدر طرحه في هذا الصدد هو: ماذا يخبىء المستقبل للولايات المتحدة في القطب الشمالي؟ وهل نحن مهيئون للتصدي للتحديات والاستفادة من الفرص التي تنتظرنا هناك؟ ما لم نجعل من المنطقة القطبية الشمالية قضية وطنية بدلا من اعتبارها قضية إقليمية دولية، فإن مستقبل الوجود الأميركي هناك سوف يكون بالغ التواضع في وقت نجد فيه بقية الدول المشرفة على القطب وهي تتحرك بعزيمة وإصرار للنيل من الكعكة. وما يميز القطب الشمالي أنه منطقة لم يسبق لها أن شهدت نزاعات طويلة وخلافات مستعصية كالتي حدثت في مناطق أخرى من العالم والتي تجعل التعاون الدولي لحلها أمراً صعباً. وهناك ثماني دول تتاخم حدودها الدائرة القطبية الشمالية بما فيها الولايات المتحدة، العضو في «مجلس القطب الشمالي». ولقد كُتب لي أن أشارك في الاجتماع الوزاري الذي عقده المجلس المذكور في السويد خلال شهر مايو الماضي، والذي شهد نقاشات حادة عندما جرى البحث في مستقبل المنطقة. وتعلّقت هذه الخلافات بمجمل المواضيع المطروحة... من موضوع التنمية الاقتصادية للمنطقة وحتى قضية حماية بيئتها. وكثيراً ما يُنظر إلى الدائرة القطبية الشمالية على المستوى الدولي باعتبارها منطقة عامرة بالثروات والفرص الاستثمارية، وهو الرأي الذي طلعت به ست دول غير قطبية شاركت في المؤتمر الذي عقده المجلس كدول مراقبة، وهي: اليابان والصين وكوريا الشمالية والهند وإيطاليا وسنغافورة. وينبغي أن نأخذ بهذه الحقيقة المتعلقة بالثروات والفرص التي تتيحها المنطقة على أنها تمثل دافعاً جديداً لنا يجعل من المهم بالنسبة للولايات المتحدة أن تشارك بشكل فعال في تنميتها، وأن تصبح دولة رائدة في صياغة القرارات السياسية المتعلقة بالقطب الشمالي. ويمكن للولايات المتحدة أن تطلق أسهمها الأولى نحو هذا الهدف الجديد بالتوقيع على معاهدة الأمم المتحدة المتعلقة بقانون البحار. وفيما لا يمكن لأية دولة أن تدعي الآن «ملكيتها» للقطب الشمالي، فإن قانون البحار يتيح لكل واحدة من الدول الخمس التي تحيط بأراضيه البرية استغلال منطقة خاصة بها اقتصادياً تمتد حتى مسافة 200 ميل بحري (370.6 كيلومتر) بعيداً عن شواطئها وداخل الأراضي القطبية. وهذا يعني أن الموارد والثروات الطبيعية التي تقع ضمن هذا النطاق تعتبر ملكاً للدولة دون غيرها. ويمكن للأعضاء المشاركين في هذه المعاهدة أن يتقدموا بطلباتهم لتمديد هذه المسافة إلى 350 ميلاً بحرياً (649 كيلومتراً). وإذا ما وافق مجلس النواب الأميركي على توقيع الاتفاقية (ويشار هنا إلى أن الولايات المتحدة هي الدولة القطبية الشمالية الوحيدة التي لم توقع الاتفاقية حتى الآن)، فسوف يكون بوسع أميركا أن تعلن على الفور ملكيتها لمنطقة قطبية تزيد مساحتها عن ضعف مساحة ولاية كاليفورنيا. وأصبح الإعلان عن ملكية أراضي القطب الشمالي يزداد أهمية، بعد أن تزايد عدد الدول الطامعة فيها من أجل الاستئثار بمصادر النفط والغاز والموارد الاقتصادية المختلفة الأخرى بما في ذلك كونها تُعدّ ممراً جديداً للتجارة البحرية بعد انصهار المزيد من الكتل الجليدية. واستناداً إلى «بيانات المركز القومي الأميركي للثلج والجليد»، فإن المحتوى الأدنى للجليد البحري الذي يغطي القلنسوية الجليدية للقطب الشمالي، بلغ أدنى مستوى له العام الماضي، وأصبح أقل من نصف ما كان عليه في الفترة الممتدة بين عامي 1979 و2000. وهذا التراجع المضطرد للغطاء الجليدي القطبي يؤدي إلى زيادة عرض الممرات البحرية التجارية التي تبقى صالحة للملاحة لفترات زمنية أطول. ويمكن للشحن البحري من أوروبا إلى آسيا بسلوك هذا الطريق أن يختصر آلاف الأميال والأيام اللازمة لقطعها فضلاً عن التكاليف الباهظة لعبور الممرات البحرية التقليدية مثل قناة السويس. وعمدت روسيا بالفعل لاستخدام الممر الملاحي القطبي لتسيير ناقلات النفط العملاقة التي تتجه نحو الصين. ويقول خبراء إن الناقلة التي تغادر ميناء مورمانسك في روسيا أصبحت تحتاج إلى 22 يوماً فقط للوصول إلى شنجهاي بالمقارنة مع 42 يوماً تقضيها لقطع هذه الرحلة الطويلة عن طريق قناة السويس. ويمكن لهذا الممر الجديد أن يوفر مليون دولار من الوقود في رحلة الناقلة الواحدة. وأما من حيث تقييم الأمر من النواحي البيئية فإنه يعني توفير 18 يوماً من انبعاث الغازات الملوثة الناتجة عن حرق كميات ضخمة من الوقود. ثم إن التراجع المتواصل لصفائح الجليد البحري يترافق مع كشف المزيد من مصادر الثروات الطبيعية، والتي كانت خبيئة تحت الطبقات الجليدية القطبية السميكة. ويقدّر الخبراء أن القطب الشمالي يحتوي على نحو 90 مليار برميل من النفط و1700 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي في الحقول التي لم تُكتشف حتى الآن. ومن أصل هذه الكمية، هناك 30 مليار برميل من النفط و221 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي تختبىء تحت الجرف القاري الذي يمتد داخل القارة القطبية الجنوبية في ولاية آلاسكا الأميركية. كما يسود الاعتقاد بين الخبراء بأن المنطقة المذكورة تتوفر على تركيزات عالية من الخامات المعدنية المهمة، وعلى رأسها المعادن الأرضية النادرة، مثل السكانديوم والإتريوم واللانتانوم. -------- ليزا موركوفسكي عضوة مجلس النواب الأميركي عن ولاية آلاسكا -------- ينشر بترتيب مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»