سيادة الشعب هو مفهوم غريب على الحركات الإسلامية، والأدهى من ذلك، أنها ستسعى بنشاط لتدميره تماماً وتدريجياً سالم سالمين النعيمي بعد الثورة، ظهرت جماعة «الإخوان» كقوة سياسية مهيمنة لعملها التنظيمي المسبق ووجود مراكز لها في كل القرى والمدن الرئيسية في تلك الدول، وبفوزها على الأحزاب السياسية الأخرى البعيدة كل البعد عن الشارع والجماهير وغياب القاعدة بين صفوف الشعب. هي نخبوية أو نقابية تتبنى فلسفة سياسية، ولكنها واقعياً لم تعمل طوال حياتها في السياسة. الخروج من التهميش أصعب من العيش فيه، خاصة عندما لا يملك الشخص آليات النجاح في مرحلة ما بعد التهميش. وكونك ناصرياً أو اشتراكياً أو قومياً تلك رؤية وفكر سياسي وليس منهج عمل سياسي، فنجدهم يتكلمون عن الديمقراطية وحياة سياسية حقيقية لم يمارسوها أو يعرفوا هم طعمها... أو كيف تُدار في ظل غياب الديمقراطية عن دولهم منذ تحررها من الاستعمار... فتلك الأحزاب أقرب للصالونات الثقافية من الأحزاب السياسية، وكانت تفوز بالأصوات ليس لقناعة المصوتين بأجندتهم في الغالب وبرنامج عملهم السياسي. ولكن لعدم رغبة تلك الجماهير في الوقوع في فخ السلطة الدينية الحزبية الفاشية. وبالمقابل «الإخوان المسلمون» على درجة من الانضباط والتنظيم، ولكن من المستحيل بالنسبة لهم التخلص من الطابع المزدوج حيث الدعوة (الوعظ الديني) والسياسة في الوقت نفسه. وعدم دراية ومعرفة الشارع بصورة عامة ومعظم الناس عن أجندتهم السياسية الحقيقية، ولا هم يريدون أن يظهروها للناس لأنها إقصائية، ولا تمت لهذا العصر والأجيال الحالية بصلة. فالمعضلة التي تواجه جماعة «الإخوان» والحركات الإسلامية الأخرى، هو كيفية العمل دون ذلك التداخل، باعتبارها مجموعات لديها رسالة دينية، فضلاً عن كونها أحزاباً سياسية نشطة تتنافس على السلطة، ولها أهداف محددة، وهو قرار لابد من اتخاذه للفصل بين الاثنين، ولكنه لن يأتي أبداً. وبالتالي فشل حكم الحزب السياسي الإسلامي الحركي لأي دولة، لأن الفصل يهدم المبادئ الرئيسية للجماعات الإسلامية العاملة في السياسة. وبما أن الديمقراطية تتكون من قسمين رئيسيين: الأسس الفلسفية (القيم الديمقراطية) والصكوك الديمقراطية. وبما أن منظومة الإسلاميين تخالف الأسس الفلسفية للديمقراطية، وكونهم يعتبرونها ضد نموذج الحكم الرشيد في الشريعة الإسلامية، فلابد من السيطرة على كل مناحي الحياة السياسية في بلدانهم حتى يتوافق حكمهم للشريعة حسب رؤيتهم. وكل الشعارات التي يطلقونها كاذبة، لأنها تخرجهم من الملة ومن الفئة المنصورة حسب ما يؤمنون به، فيتم التحكم في مكاتب الرئاسة بتلك الدول من خلال دائرة صغيرة جداً من المستشارين. وأنا لا أتحدث عن المستشارين المعينين رسمياً، وهم في مناصب شرفية، أكثر من مناصب فعالة. ويحاول الرؤساء في تلك الدول تعلم درس مهم في الوقت الضائع من حياتهم السياسية، هو أنهم لا يستطيعون تجاهل الناس والقوى السياسية الأخرى في عملية صنع القرار وتخفيف حدة الصراعات على السلطة مع السلطة القضائية والجيش والتعايش مع الإعلام المضاد، وجيل الشباب والمجتمع الافتراضي... ومن الواضح أن هناك خللاً ما في عملية صنع السياسات، بعد تخلي الكثير من سكان تلك الدول عن «ملجأ» التراب والطين والأرض، التي أمدتهم بالحياة وهجرتهم إلى المدن وتزايد المعوزين في المناطق الحضرية، واختفاء الطبقة الاجتماعية الوسطى، وإعلان حركات عموم الإسلاميين تمردها ضد الرأسمالية والرفض الكلي للتنوير ومنظريهم مغلقي أعينهم عن معطيات الواقع خارج حصونهم العقدية، واللجوء إلى الخرافات الظلامية، وينادون بنهاية الحدود الوطنية ووفق مبادئهم الثابتة، لا يقبلون بحصر أنفسهم داخل الحدود الوطنية ورفض شرعية جميع الأنظمة المدنية والعلمانية التي تحافظ على الدول القومية، وجميع المعاهدات والاتفاقيات الدولية بين الدول، وهو سر التناقض الكامن في تحديد اتجاه سير الجماعات الإسلامية الحاكمة. فهي سجينة ما يسمى بجماعة أو تنظيم، واتجاهها التاريخي ثابت وهو ضد مفهوم السيادة الشعبية وحق الشعب في تقرير مصيره وضرورة اللجوء للحكم الإلهي الأقرب إلى الأسطورة وممثل الرب على الأرض يدرك وحده ما يريده الرب حقاً للعباد والوظيفة السياسية الوحيدة للشعب هو التعبير عن ولائهم للخليفة أو الحزب الذي يمثل المرحلة الأولى من الخلافة وأحزاب الخلافة هذه تعتبر رئيس الجماعة أو التنظيم المنتمين له هو الخليفة الحقيقي، وليس الرئيس المنتخب سوى وزير دولة لدى الخليفة ولا حرج لديهم من إضفاء الطابع المؤسسي في اتخاذ القرارات. وفي حقيقة الأمر هناك زمرة صغيرة تقوم بإدارة دولة الخلافة، فهم أعلنوا الخلافة، وإنْ لم يعلنوها للعامة وتلك المجموعة الصغيرة من أهل الحل والربط وحدهم لديهم القدرة و«المعرفة» لتفسير القانون الإلهي، لأي ظرف معين وعليه فهي لا تقبل أي حقوق لمواطنيها. وخلاصة القول إن سيادة الشعب هو مفهوم غريب على الحركات الإسلامية، والأدهى من ذلك، أنها ستسعى بنشاط لتدميره تماماً وتدريجياً والسعي لتجنيد الجيوش لتحقيق حلم الدولة الإسلامية والأزمة الحقيقية الأخرى المتفاقمة، هي ضعف مستمر في وقف تدخل رأس المال العالمي الربوي والتعامل به بصورة يومية. ولذلك يتخبطون في قرارات مجنونة للقيام بإعادة هيكلة رئيسية للسياسات التي تسببت في بطالة واسعة النطاق، وتضخم مزمن، والعصف بالمدخرات الضئيلة للدولة والمواطنين على حد سواء... وهروب رؤوس الأموال للخارج وشح حاد في الاستثمار الأجنبي والعربي والنقص الحاد في المساكن، وتدني مستوى مرافق الرعاية الصحية لأسوأ معدلاتها تاريخياً... وتكاد تكون منعدمة في الكثير من الأقاليم وعدم رسوخ مفهوم الأمن الذاتي والمجتمعي الشمولي لدى مواطنيها... وتردد صندوق النقد الدولي في منح تلك الدول الإعانات المنشودة بسبب قيود الائتمان المفروضة من قبل البنك الدولي وعدم وجود ضمانات وآليات فعالة لإدارة تلك الأموال والهيمنة السياسية من فصيل بعينه تسود ساحته صراع طبقي اجتماعي عقدي جعله غير قادر على النمو في حركة جماهيرية واسعة، في إطار أزمة عامة من الأيديولوجية التي أصابها فقر دم حاد، فهي أيديولوجية حكم ملغمة عاجزة عن تحقيق المهمة لكسب الموافقة الجماهيرية... ويتزامن ذلك مع انهيار البرامج الاقتصادية للحكومة، والأغلبية الصامتة، سئمت من كل هذا العبث وتشعر أن ذهبت الأنظمة الحالية سترجع منظومة الأنظمة السابقة المنظمة، والتي تحظى بمخزون مالي كبير وخبرة سياسية ستمكنها من السيطرة مجدداً على كل محاور الحياة وهذه الدائرة المغلقة تلغي مبدأ الشعب مصدر السلطات ولا توجد برامج لتمكينه، ولا يملك مقومات ولا يعيش في بيئة فهم وممارسة الحياة الديمقراطية، ومراقبة النظم السياسية والعمل السياسي الحضاري... وبغير ذلك لن يكون الشعب سوى مصدر لفوضى الشارع الخلاقة. وقد حان الوقت لتدخل العسكر في الصورة لإدارة مرحلة انتفالية مشروطة تمتد لعشر سنوات يكون الشعب فيه رقيب عليها من خلال السلطة القضائية والبرلمانية ومجلس وزراء مشكل من الأحزاب السياسية والقوى الثورية الشبابية، وذلك لفترة تمتد على أقل تقدير إلى عشر سنوات، وإيجاد توليفة حكم تتدرج في إشراك الشعب ككل في اتخاذ القرار السياسي دون تسييس حزبوي... فالطبقة العاملة التي تمثل أكبر مجموعة من الشعب في تلك الدول عاجزة بشبابها الغارق في تكوين نفسه والديون والبطالة وعدم النضج السياسي النسبي. وفي الواقع هناك علاقة عكسية بين التمثيل والتعبئة الجماهيرية، ويحكم من يملك قدرة أكبر على جلب الجماهير إلى الساحة السياسية وإطلاق على هذه العملية الديمقراطية هو أمر معيب، ويحتاج لجهود جبارة لتحرير العقل العربي من هذا الكابوس السياسي.