في مثل هذا التوقيت تقريباً العام الماضي، كتبت مقالاً عن التعليم، وعن أهمية الصبر على مخرجاته بدلاً من السعي المحموم لحرق المراحل واستباق الخطوات، وأنّ الرهان على تطوير التعليم هو رهان من أجل مستقبل أفضل لبلادنا، ولإمارة أبوظبي تحديداً. ولم يكد العام الدراسي الحالي يمرّ إلا والنتائج تأتي مبشّرة بأنّ البناء كان صائباً، والرهان كان موفقاً. فلئن كان البعض لا يزال يحلم بالعودة للأساليب القديمة التي أكل الزمان عليها وشرب، ونقرأ هنا ونسمع هناك تشكيكاً في برامج وخطط "مجلس أبوظبي للتعليم"، ممن ألفوا الروتينية واعتادوا على نمطٍ تجاوزه الزمن قبل أن تتجاوزه المجتمعات التي تنشد التقدم والتطور، وزادت لهجة تشكيكهم كلما اقتربت امتحانات الثانوية العامة ظنّاً منهم بأن النتائج ستأتي وفقاً لأهوائهم وخلافاً لخطط المجلس الطموحة، فلما خرجت أتت كالسيل الذي لا يترك شيئاً إلا وأزاله، فلم تقوى الشكوك على الصمود، ولم تستطع أحلام المثبطين أن تجد لها موطئ قدم على ساحة الواقع، وخفتت عن بكرة أبيها كل تلك الأصوات النشاز، ولم نسمع لهم حِساً (وقد خاب من حمل ظلماً). الأرقام كانت مبشرة، رغم أنني شخصياً لم أكن على عجلة في خروج التحسن بهذه السرعة، فتطوير التعليم وتحسين مخرجاته ليس أمراً يحدث خلال فترة قصيرة في الغالب، ففي أغلب الدول المتقدمة في هذا المجال كانت نتائج تطوير المناهج، وأساليب التدريس تأخذ من ثمان إلى 15 سنة حتى تأتي وفق ما خُطِّطَ لها، ولكن وهذا ما يُحسَب لمجلس التعليم بالإمارة وللرؤية الثاقبة للقيادة الرشيدة، والتي كان سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي العهد يتابعها بنفسه، ويرى أنّها ما بمقدوره أن يخلق تلك الميزة التنافسية لمجتمع الغد، ولم يألُ جهداً أو مالاً في دعم كافة مبادرات تحسين العملية التعليمية ومخرجاتها، والإيمان بصواب تلك الخطط الطموحة، وأنّ الغد المختلف يحتاج استعداداً مختلفاً، وأن المركز الذي تطمح أبوظبي في تبوئه يتطلب تغييراً جريئاً في هذا المجال الحيوي، وصبراً وجَلَداً على معوقات ذلك التغيير والأصوات المشكّكة فيه. خرجت النتائج لنجد أن 56 طالباً وطالبة من أبوظبي حصلوا على معدلات من 99 إلى 100 بالمئة ، وهو رقم مدهش، وبمعدل أكثر إدهاشاً، وفي فترة زمنية غاية في القصر، وبلغت نسبة النجاح في القسم العلمي 85 في المئة وهي أيضاً نسبة عالية لمجال تراهن عليه الإمارة، باعتبار الرياضيات والفيزياء والكيمياء، هي مقومات أي حضارة، وأساس كل تطوّر تنشده أمّة جادّة في منافسة الكبار. كما ارتفع المعدل للطلاب الحاصلين على معدلات فوق التسعين بالمئة من 16 في المئة في العام الدراسي 2010 إلى 21 في المئة للعام الحالي، وهو مؤشر آخر عن الطفرة التعليمية، التي بدأت تؤتي ثمارها سريعاً، وفي مدة لم يتوقعها أكثر المتفائلين بذلك. كما ارتفعت نسبة (النخبة المميزة) ممن فاقت معدلاتهم الـ99 في المئة من 0.2 في المئة للعام الدراسي 2010 لتصل إلى 0.6 في المئة لهذا العام، ما يؤكد من جديد جودة العملية التعليمية، وإسهامها في رفد الجامعات والمعاهد العليا بكفاءات عالية الجودة من الطلبة، قادرة على إحداث ذلك الفارق المأمول لمجتمع أبوظبي الغد. إنّ رهان سمو ولي العهد حفظه الله على برامج التطوير الكبيرة على العملية التعليمية بكافة عناصرها ومفرداتها، كان رهاناً في محلّه وينمّ عن نظرةٍ صائبة تعلم تماماً ماذا تريد وأين تريد الوصول؟ وأين هي حالياً؟ وما هي الممكنات والوسائل التي بمقدورها سدّ تلك الهوّة بين الواقع والمأمول وبين الآن والغد، تماماً كما فعل سموّه في القطاعات الحيوية الأخرى، والتي بمقدورها مع التعليم النموذجي الرائد أن تخلق طفرة ونقلة نوعية لأبوظبي تُسهم من جديد في إيصال الإمارة لمكانتها الجديرة بها، وتمكين ساكنها من أن يكون ضمن نخبة الشعوب المتقدمة، كتطوير قطاع الصحة وقطاع الطاقة والقطاعات الاقتصادية المكّملة. إنّ الأحلام الكبيرة لا تحتاج أناساً ينامون كثيراً ليروها في سباتهم، ثم لا تلبث أن تتلاشى عندما يستيقظون، بل تحتاج أناساً كباراً مثلها، كباراً في الطموح، وكباراً في الهمّة، وكباراً في التخطيط، وكباراً في تحمّل تشكيك النائمين في العسل. الكبار أمثال سمو الشيخ محمد بن زايد حفظه الله، هم من يؤمنون بقدرتهم على تحقيق المحال، ومن يريدون أن يجعلوا من حولهم كباراً ويقنعونهم في سكناتهم وحركاتهم أنّهم قادرون على ذلك، وأن السماء هي سقف طموحات من لا يرتضي أن يكون كالبقية، ويضربون أمثلة حيّة في الصبر والثبات على قناعاتهم، وعلى جدوى وأحقية أحلامهم العظيمة في أن تتحقق، وأن تُشرق عليها أشعة الشمس. أمّا الصغار، فهم لا يعدون أن يكونوا رقماً لا يؤبه له في ميزان الشعوب المتقدمة، لا شغف لهم إلا التثبيط والتشكيك، وذر الرماد في العيون، حتى يبقى كل من حولهم صغيراً مثلهم! لا أملك إلا التصفيق على هذه النجاحات اللافتة لمجلس أبوظبي للتعليم وللقائمين عليه، ممن تحمّلوا الكثير من بعض الأقلام المتسرّعة، وأثبتوا أنّ النقد الذي وجّه إليهم دون وجه حق في الفترة الماضية لم يفتّ في عزيمتهم، ولا في قناعاتهم بصواب وصلابة استراتيجية المجلس وخططه الطموحة وبرامجه المختلفة، فأتت نتائج العام الدراسي الحالي لترد عنهم على من انتقدهم ولتضع أولئك المنتقدين في موقفٍ لا يحسدون عليه. ألم يكن بمقدورهم الصبر والانتظار حتى يكون كلامهم أكثر منطقية وموضوعية؟ صدق الله سبحانه حين قال: "ولكنّكم قومٌ تستعجلون".