الاحتجاجات في تركيا، التي باتت تشارك فيها الآن مجموعة متنوعة من الناس، تلقي الضوء على مشهد سياسي متغير، غير أن معظم التغطية التي أفردت للمظاهرات تكشف عن تأخر فكري- أسوأ من ذاك الذي ميز العديد من الصحفيين والمراقبين عندما خرج المحتجون المعارضون لمبارك إلى ميدان التحرير في عام 2011. واليوم، تراجعت التوصيفات المتسرعة مثل «الربيع التركي» لصالح ثنائيات سطحية، حيث بات النزاع يقدَّم الآن على أنه معركة بين العلمانيين والإسلاميين، وبين الاستبداد والديمقراطية. بل إن حضور قوميين جدد أتراك في المظاهرات دفع صحيفة «ذا جارديان» إلى التساهل مع النزعة الكمالية حيث كتبت هذه الأخيرة تقول: «إن أصل المشكلة يكمن في ما إن كانت تركيا ينبغي أن تصبح الدولة- الأمة الأوروبية العلمانية التقدمية التي تصورها أتاتورك في الأصل وشكَّلها من أنقاض الإمبراطورية العثمانية، أم بلداً دينياً بشكل أكثر وضوحاً؟». ولا يهم هنا أن العلمانية في تركيا فُرضت بالقوة، وأن العديد من الممارسات الإسلامية استُئصلت بعنف من قبل أتاتورك. والواقع أن مواطني جمهورية علمانية قد يبدون متساوين نظرياً. ولكن أياً يكن الشخص الذي يضع ويؤسس معايير المواطنة، فإنه يضع أيضاً تراتبية غير مرئية، مرسِّخاً بذلك سلطة المجموعات المهيمنة في ذلك الوقت. وهذا واضح أكثر في تركيا، حيث الجمهورياتية تقدمت بأمر ديكتاتوري، مقارنة مع بلدان مثل فرنسا والهند. فأتاتورك، مثلاً، تجاهل بكل بساطة التنوع السكاني لتركيا، واختار التركية اللغة الوطنية واعتبر كل الأتراك سنة. ووفق هذا المفهوم الاستثنائي، كان يُنظر إلى أولئك الذين يسمون أنفسهم أكراداً باعتبارهم شعباً واهماً ومتخلفاً نسي أصوله التركية. والحال أن فكرة المواطنة هذه كانت متناقضة لدرجة كبيرة جداً. ولم يكن ممكناً الحفاظ عليها قائمة إلا بواسطة القوة العنيفة، وهو ما تم خلال معظم القرن الماضي. غير أنه منذ الانتقال إلى الحكومة التمثيلية، شهدت تركيا تفكيك الحقائق «الكمالية». فالجماهير الأناضولية المتدينة التي كان يحتقرها أتاتورك والحكام العلمانيون المتشددون الذين أتوا بعده، أصبحت أكثر حضوراً وجنوحاً إلى تأكيد الذات سياسياً؛ وأصبح حزب «العدالة والتنمية» تحت قيادة أردوغان المستفيدَ الرئيسي من هذه الصحوة السياسية والطفرة في ريادة الأعمال. ثم استعمل الحزب أغلبياته الانتخابية الهائلة ورأسماله السياسي لإرغام الجيش والكماليين على التموضع في موقف دفاعي. كما أشرف على فترة تميزت بنمو اقتصادي سريع. ولكن نجاح الحزب، إضافة إلى فشل أردوغان الواضح في التخلص من التقاليد التركية المتمثلة في الحكامة السلطوية، أنتجا متحدين جدداً مثل النخب القديمة النازحة والمستاءة، وجيل جديد من الأتراك المعولمين الذين لديهم أفكارهم الخاصة عن الكرامة والحرية، من بين آخرين. والواقع أن تركيا ليست الوحيدة التي عانت من النزاعات الناتجة عن تفكيك وإزالة الأنظمة التراتبية القديمة وظهور سياسة الجماهير. أردوغان من الممارسين البارعين لسياسة الاستياء، ومن أنصار حكم الأغلبية والرأسمالية السلطوية. غير أن أردوغان ينتظره صراع أكبر. فأفكار المواطنة العتيقة – في تركيا مثلما في تايلاند أو الهند أو إندونيسيا – لم يعد بإمكانها إصلاح الاختلافات الطبقية والدينية والإثنية، وعلى نحو متزايد، الاختلافات من حيث الدخل. ومثلما تُظهر المظاهرات الأخيرة في البرازيل، فإن النخب المسيسة، إضافة إلى الجماهير في عصر العولمة، تريد إعادة كتابة ميثاقها مع الدولة القديمة المهيمنة. وفي تركيا، كانت الخطوة الكبيرة الأولى نحو مراجعة العقد الاجتماعي هي تلك التي خطاها حزب العدالة والتنمية. ولكن تفجر الاستياء السياسي الأخير يُظهر أن الحزب لم يعد يهيمن على هذه العملية بشكل حصري. بانكاج ميشرا كاتب هندي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»