تعاني المنطقة الآن من مرض خاص بها: فيروس خطير يدعى اختصاراً «ميرس»، أو أعراض الشرق الأوسط التنفسية، وقد تكون له علاقة ما بفيروس «سارس»، لكنه أكثر فتكاً على ما يبدو. هذا الخبر الحزين دفعني للتفكير مجدداً في الحالة المحزنة للمنطقة. صحيح أن هناك بعض النقاط المشرقة، أو على الأقل بعض النقاط غير القاتمة جداً. فتونس، مثلًا، تحقق تحولًا مستقراً نسبياً بمنأى عن العنف المشل للحركة أو الحكامة غير الكفؤة. كما أن ثمة جيلًا أكثر شباباً من العرب والمسلمين الذين يبدون مصممين على تحرير أنفسهم من الأساليب القديمة، وهم لا يطالبون بالحرية الشخصية فحسب، وإنما بالكرامة أيضاً. غير أن معظم المنطقة يبدو سيئاً: عنف في العراق، وحرب أهلية في سوريا، وامتداد للعنف إلى لبنان، وازدياد اليأس في مصر، وغياب سلطة مركزية في ليبيا، وطريق مسدود في عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية. بل إن الوضع حتى في تركيا -البلد المدهش- أضحى محيراً. فماذا يجري هنا يا ترى؟ ولماذا تُرك الشرق الأوسط في الخلف، بينما يبدو أن معظم العالم يسير إلى الأمام؟ ولماذا فُقدت لحظته التحولية الأكبر على ما يبدو –الصحوة العربية– وسط فوضى العنف والطائفية وانعدام الكفاءة؟ قد تكون هناك أسباب عديدة تفسر هذه الحالة المؤسفة التي أضحى عليها الوضع. لكن فيما يلي الأسباب الخمسة الأولى، في تقديري. 1- سوء معاملة النساء: الواقع أن وضع النساء نظرياً وعملياً يختلف من مكان لآخر في المنطقة، إلا أن ثمة الكثير من اللامساواة والتمييز ضدهن. والأكيد أن البلدان التي تميز بشكل ممنهج ضد نصف سكانها، وتحاول عن قصد أو غير قصد ومهما يكون السبب (الثقافة، الدين، التقاليد) كبح النساء، أو السيطرة عليهن، أو مجرد تجاهلهن … لن تكون منتجة أو نشطة أو تنافسية مثل البلدان التي تمكِّن النساء وتقويهن، سواء في الشرق الأوسط أو أي مكان آخر. 2- لا فصل بين الدين والدولة: أدركُ أنه كلام لا يجوز سياسياً، لكن دلوني على مجتمع واحد صحي وناجح يدار وفق قواعد دينية تقوم على فكرة أن معتقده هو أفضل مما سواها، أو حيث تقوم مجموعات دينية متطرفة بترهيب مواطنين آخرين وشن حرب عليهم، باستعمال الإرهاب والعنف أحياناً. وقد كنتُ أعتقد أن تركيا تشكل استثناءً؛ لكن السلوك الأخير لأردوجان، وفق شعار «إما طريقي أو طريق الهاوية»، جعلني أتساءل. إن المجتمعات التي أثبتت أنها الأكثر استمرارية ونجاحاً على مر الزمن، هي تلك التي يشكل فيها الدين والإنسان مجالين منفصلين، وحيث تكون المؤسسات مستوعبة للجميع، وحيث تسود حرية التدين. لكن الأهم من ذلك، أن تسود حرية التفكير. وبالفعل فحرية التعبير عنصر مهم جداً في تحقيق الإمكانيات البشرية والإبداع الابتكار، ويجب احترامها وحمياتها من قبل الدولة، وليس تقييدها. 3- الكثير من التآمر: الواقع أن الكثيرين في الشرق الأوسط يرفضون النظر في المرآة ويفضلون الإتيان بأعذار وتبريرات بخصوص لماذا يُعد الآخرون مسؤولين عن مصائبهم ومحنهم. وشخصياً، أعرف الكثير عن الكولونيالية والصهيونية والإمبريالية والشيوعية والعلمانية والإسلاموية وكل نزعة أخرى تُسخَّر من قبل البعض لإظهار لماذا يتحمل الأجانب المسؤولية عما يجري في العالم العربي وليس أهله. لكن لنكن واقعيين. ففي مرحلة ما، ومثلما يعرف الجميع، هناك تاريخ لانتهاء صلاحية تحميل الوالدين مسؤولية ما أصبحنا عليه. وفي حالة العالم العربي، فإن ضمان التغطية لإلقاء اللوم على «الموساد»، أو «السي آي إيه»، أو أميركا، أو اليهود، أو «بوزو المهرج»... وتحميله مسؤولية غياب الديمقراطية، وغياب احترام حقوق الإنسان، وعدم المساواة بين الجنسين... قد انتهى منذ وقت طويل. 4- النرجسية: أعلم أن ذلك قد يصدم الكثيرين، لكن الشرق الأوسط لم يعد مركز العالم. فاليوم، أضحت آسيا وأوروبا وأميركا، بل وحتى أفريقيا، هي أماكن رئيسية لاقتصادات الأسواق الحرة، والتعددية السياسية، والمشروع البشري بتجديد الأشياء واختراعها وإنتاجها وخلقها... تاركةً الشرق الأوسط في الخلف. وما على المرء إلا أن يقرأ أياً من تقارير الأمم المتحدة حول التنمية البشرية، والتي تحكي القصة الحزينة. ومع ذلك، فإن الكثير جداً من سكان الشرق الأوسط يعتقدون أنهم في مركز الكون أو أنهم على نحو ما يستحقون أن يكونوا فيه. 5- الزعامة: إنها منعدمة في الواقع. والمثير للسخرية، لاسيما على خلفية النبضات الديمقراطية للصحوة العربية، أن الزعماء الأكثر بقاءً واستمرارية هم القادة السلطويون على ما يبدو. إلا أنه حتى هنا توجد مشكلة. ذلك أن الزعماء الشرق أوسطيين أضحوا أساتذة في اكتساب السلطة، لكنهم ليسوا مهتمين كثيراً بتقاسمها. وإذا أضفنا إلى ذلك غياب مؤسسات شرعية ومستوعِبة للجميع، وسياسيين مهتمين بالدفاع عن مصالح فئاتهم أكثر من اهتمامهم بمصالح دولتهم، فإن مستقبل الحكامة الجيدة القابلة للمحاسبة في العالم العربي لا يبدو مشرقاً جداً. إن «ميرس» مازال يمثل لغزاً، لكني واثق أن العلماء سيكتشفون أمره في النهاية. وشخصياً، أدركُ أن علينا أن نمنح هذه المنطقة جيلين إضافيين من أجل ترتيب الأمور. ومع ذلك، فليست واثقاً أنهم سيفعلون، رغم أن ما يؤلم المنطقة هو الحقيقة الصريحة، وإن كانت مُرة. آرون ديفيد ميلر كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»