تمثل اشتغالية اللغة، باعتبارها أداة للتواصل، معياراً لتحديد مدى تطورها على أيدي مستخدميها، لاسيما أن الاشتغال اللغوي أكثر ما يكون نشاطاً لدى الشرائح الفاعلة والمؤثرة في مجتمعاتها والمحركة لبناها اللغوية. هذا مبدأ أكدت عليه اللسانيات الوظيفية مع اندريه مارتينه، ويستلهمه الأكاديمي والباحث اللبناني نادر سراح في كتابه الذي نعرضه هنا حول «الشباب ولغة العصر»، وهو دراسة لسانية اجتماعية تحاول مقاربة ألفاظ الحياة العصرية وإسهامات الشباب في خلقها وترويجها، اقتراضاً ونحتاً وابتكاراً، عبر أشكال تعبيرية وأسلوبية مستجدة، تتصدر واجهة المشهد اللغوي اللبناني، وتتردد أصداؤها في بيئات لغوية عربية أخرى. و«التطور اللغوي»، كما يفهمه اللسانيون، هو سعي حثيث للتلاؤم مع متطلبات الحاضر واحتياجات المستخدمين التي لا تعرف جموداً، ولا تتصف صور التعبير عنها بالسكون أو الثبات. وهنا يستعيد المؤلف ذلك المبدأ القائل بأن ليس في إمكان أي لسان العمل أو النهوض بمهامه التواصلية في الاتجاهين، إرسالا وتلقياً، دون أن يتلاءم باستمرار مع احتياجات الناطقين به، وهي احتياجات متبدلة وخاضعة لآليات العرض والطلب ضمن المجال التواصلي. ومن هذا المنظور يحاول سراج معاينة الطرق التي يسلكها شبابنا في تجاربهم الكلامية، متخذين أساليب الاقتراض والاختصار والغرف من معين لغات حية أخرى يعيشون تأثيراتها ومفاعيلها في كل منحى من مناحي حيواتهم. وكما يتضح فإن لهذه المصادر والبنى اللغوية انعكاس عميق على الطريقة التي يبدي من خلالها الشباب ردود فعلهم على العالم المحيط بهم والذي يسهم في تشكيل رؤاهم لذواتهم وللآخر. ويقسم المؤلف كتابه المكون من 405 صفحات، إلى أربعة فصول، يعالج في أولها «رحلة المقترضات في لسان الضاد»، فيشرح تاريخية تسرب المقترضات إلى الخطاب اليومي من خلال نماذج عرفها الجمهور مطلع القرن المنصرم، وطوعها لتلائم مخارج أصواته واعتمدها مقترضة لا معربة، في مختلف استخداماته. ثم خصص الفصل الثاني لموضوع «استراتيجية الاقتراض وآلياته»، بما في ذلك صوغ الأفعال المقترضة، والتي قدّم نماذج منها بعد أن توسع في تناوله موضوع «المعالجة الأكاديمية للمقترضات»، والتي شملت دراسة المركبات اللغوية المستخدمة بأقلام الصحفيين والسياسيين والفنانين... علاوة على تلك التي ينتجها الشباب ويتداولونها مشافهة. هذا بينما قدّم الفصل الثالث «نماذج عن المقترضات الأجنبية في اللغة الشبابية»، وتناول الفضاءات المختلفة التي تشكل الحاضن الأساسي لاستهلاك المقترضات الوافدة، وتعديل بناها، وترويج صيغها وأساليبها بواسطة الشباب. أما في الفصل الرابع والأخير فيدرس المؤلف مبدأ «الاقتصاد في اللغة»، في حقيقته اللغوية وتطبيقاته الشبابية، ومن وجهة النظر اللسانية أيضاً، فيستعرض نماذج للمختصرات الشائعة على ألسنة الشباب وفي الصحف والمجلات. وبالعودة إلى مصطلح الاقتراض اللغوي، نجد المؤلفَ يقدمه كمبدأ يستند إليه اللسانيون، بوصفه قاعدة إيضاحية للخطاب وسائر أشكال التواصل الاجتماعي. وهو يرى في المقترضات منفعةً للغة التي تستعير من اللغة الأجنبية المُقرِضة وسائل تعبيرية جديدة، إذ يشكل الاقتراض اللغوي جانباً من جوانب التلاقح على مديات زمنية بين الثقافات واللغات. ثم يعرض الكتاب نماذج من المقترضات الرائجة في الخطاب التداولي العام، تظهر كلمة «الشوفرة»، التي رافقت دخول السيارة إلى البلاد العربية، وكانت الكلمة الأولى التي عرّبها الجمهور عن كلمة «شوفَّير» الفرنسية، فطوّعها مشافهة، ونسجها على وزن فوعَلَ. وتواصلت السوابق الاقتراضية خلال القرن العشرين، حيث راجت «الفوترة» (من فاتورة)، و«المكيجة» (من مكياج)، ومقترضات أخرى مثل: «البزنسة»، و«الدكترة»، و«الأوفرة»، و«الكودرة»، و«المستكة»... وصولاً إلى «الجوجلة»، و«الأوبمة»، و«الكوكلة»، و«المدكنة»، وكثير غيرها. وتتضمن المقترضات المعربة والرائجة بين أوساط الشباب، ولدى الجمهور العام، نماذج اقتراضية أخرى نتجت عن تمدد المقترضات الوافدة من ألسن حية في مختلف المجالات، وبخاصة تلك التي تستقطب أكثر فأكثر الاهتمامات الحالية للجمهور عموماً، وللناشئة تحديداً. وكما يوضح المؤلف، فإن الشباب يلجأون دائماً إلى اعتماد مبدأ الاقتراض اليومي، نسجاً على منوال من سبقهم، أو انتهاجاً لطرق صياغة جديدة تتماشى مع أمزجتهم، وطرق تفكيرهم، واهتماماتهم. وفي خلاصة أخيرة، يصل سراج إلى أن ثمة إشكالية حقيقية ذات مظهر سلوكي لغوي، ينبغي الاعتراف بوجودها وإدخالها في وعي الجمهور، ناشئة ومربين، «بحكم كونها باتت تدخل حيز الممارسة الفعلية لدى أبنائنا». محمد ولد المنى -------- الكتاب: الشباب ولغة العصر المؤلف: نادر سراج الناشر: الدار العربية للعلوم تاريخ النشر: 2013