الدافع الذي لا يقاوم لتعظيم القوة، كان واضحاً من خلال ممارسات السياسة الخارجية الأميركية -على الأقل- منذ سقوط النظام ثنائي القطبية في عام 1991، عاد للظهور مجدداً وعلى نحو واضح، الأسبوع الماضي من خلال أسرار وكالة الأمن القومي الأميركية (NSA) التي تتعلق ببرامج الرقابة السرية في الولايات المتحدة، التي قام "أدوارد سنودن" المتعاقد السابق مع الوكالة، بتسريبها لصحف أميركية وأوروبية. وفي الوقت الراهن، نرى أمامنا شكلًا جديداً وواضحاً من أشكال الاستخدام غير المشروع للصلاحيات كشف عنه التقرير الخطير الذي ظهر في صدر الصفحة الأولى لصحيفة "إنترناشيونال هيرالد تريبيون" في الخامس عشر من الشهر الجاري. في ذلك التقرير كشف "مارلايز سايمون" الصحفي في "نيويورك تايمز"، أن العضو الدانمركي في المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بجرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة، قدم احتجاجاً شديد اللهجة، على الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة، لضمان صدور أحكام بالبراءة، على عدد من كبار القادة الكرواتيين والصرب المتهمين بالمسؤولية عن ارتكاب جرائم حرب، خلال الصراع الذي دار في البلقان عقب تفكك يوغسلافيا السابقة واستمر من 91- 1995. وتبرئة أولئك المسؤولين بُررت من قبل المحكمة، بموجب قرار صادر عنها فحواه أن المتهمين لم يأمروا بشكل محدد، كما لم يوافقوا، على جرائم الحرب المرتكبة من قبل مرؤوسيهم. ومن بين الذين تمت تبرئتهم اثنان من كبار جنرالات الحرب الكروات، ورئيس الأركان الصربي، ورئيس ونائب رئيس الشرطة السرية الصربية. وجاء الحكم ليكون بمثابة استثناء من المبدأ الذي كان قد تم إقراره في محاكمات جرائم الحرب السابقة، ومؤداه أن القادة مسؤولون عن الجرائم التي يتورط فيها مرؤوسوهم، لأنهم جميعاً يمثلون جزءاً من "مشروع جنائي مشترك". كما بدا الحكم وكأنه يتنكر للمبدأ الذي تم تأكيده -بدعم أكيد، بل بإصرار من جانب السلطات الأميركية في محكمة "نورمبرج" التي عقدت أولى جلساتها في نوفمبر1945 واضطلعت بمحاكمة مجرمي النازية بعد الحرب العالمية الثانية، والذي كان يعتبر القادة السياسيين والعسكريين النازيين مسؤولين عن كافة الجرائم التي ارتكبت من قِبل ألمانيا الهتلرية وقت الحرب. وقد أثار "فريدريك هارهوف" القاضي الدانمركي في المحكمة المذكورة أسئلة خطيرة حول المصداقية الحالية للمحكمة. والرسالة التي كتبها "هارهوف" ونشرت نصها صحيفة "برلينجسكه" الدانمركية، جاء فيها أنه في الحالتين المذكورتين "تمت ممارسة ضغط شديد على زملائه القضاة للحصول على أحكام البراءة من قبل رئيس المحكمة "ثيودور ميرون" (83 عاماً) وهو فقيه قانوني وقاض أميركي معروف، يدعي أنه يصدر الأحكام بناء على السوابق القانونية للمحكمة، وهو ما عارضه القضاة الآخرون. ولكن، ما معنى هذا؟ من وجهة نظري يعكس هذا الأمر القلق الأميركي والإسرائيلي طويل الأمد، من احتمال أن يجد ضباطهم أو مسؤولوهم الحكوميون أنفسهم ذات يوم وجهاً لوجه أمام المحكمة، متهمين بتهم تتعلق بانتهاك القانون الدولي، أو بالمسؤولية عن ارتكاب جرائم حرب. وتلزم الإشارة في هذا السياق إلى أن القوات الأميركية أثناء حرب فيتنام، قد شنت هجمات اعتبرها شهودها والمراسلون الصحفيون الذين غطوها غير قانونية بوضوح، منها برنامج "فونيكس" سيئ الذكر لإجراء عمليات اغتيال منتقاة، الذي شهد كاتب هذه السطور شخصياً كيف تم تطبيقه عملياً آنذاك، سواء في تنفيذ تلك الاغتيالات أو شن هجمات قاتلة وارتكاب مذابح ضد مدنيين، مثل مذبحة "ماي لاي" الشهيرة وغيرها من الحالات.كما شاهدت كذلك تأثير الاستخدام واسع النطاق للمركب الكيماوي المسمى «أورانج» على المدنيين. وعلاوة على حرب فيتنام تعددت حالات التعذيب والاعتقال من دون محاكمة، خلال ما أطلق عليه "الحرب على الإرهاب" في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر، ناهيك عن تكتيكات الصدمة والرعب التي استخدمها الجيش الأميركي في غزو العراق، واستخدام الذخائر التي تتفتت داخل الجسم، وذخائر اليورانيوم المنضب ذات التأثير المدمر وطويل الأمد على حياة المدنيين، وانتهاكات سجن الفلوجة بالطبع، وهي كلها انتهاكات وفظاعات تم توثيقها عن طريق العديد من لجان التحقيق التي تم تشكيلها للتقصي عن حقائقها. وقد استخدم جيش إسرائيل، وقواتها الجوية الذخائر التي تتفتت داخل الجسم في لبنان، وأقرت سلطاتها باستخدام الفوسفور الأبيض في الهجمات التي شنتها طائراتها على الأحياء المدنية في قطاع غزة، كما نفذت إسرائيل أيضاً باعتراف دانييل راينزر رئيس إدارة القانون الدولي بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية الجرائم المعروفة بـحملة "الاغتيالات المستهدفة" ضد قيادات المقاومة الفلسطينية. وكل تلك الانتهاكات وغيرها، مما يضيق هذا المقال عن ذكره، تفسر الجهود الحالية الرامية لإغلاق المحكمة الجنائية الدولية، بصرف النظر عما إذا كان هذا التفسير يبدو مستساغاً، أم لا بالنسبة لمواطني الولايات المتحدة وإسرائيل. وتلك الانتهاكات في مجملها تقدم مثالاً آخر على شهوة القوة، وما يمكن أن يطلق عليه الأمن القومي الشمولي (على حساب الآخرين) وهو المفهوم الذي ميز برنامج "وكالة الأمن القومي الأميركي" واستغلالها لمحتوى الاتصالات الدولية، بما في ذلك اتصالات المجتمعات الديمقراطية الحليفة. وفي إطار هذا البرنامج تبدو معظم الديمقراطيات، وكأنها تحمل تهديداً للولايات المتحدة، وهو ما يرجع -دون شك- إلى حقيقة أنها ديمقراطيات لدول تمتلك الوضعية القانونية، والمكانة الأخلاقية التي تمكنها من تحدي الجهود الأميركية الرامية لتدمير الأعراف الثابتة للسلوك الدولي. -------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة «تربيون ميديا سيرفس»