ما لم يتم اتخاذ خطوات عاجلة لإيقاف الحرب الأهلية في سوريا، فسوف يلقى آلاف المدنيين الإضافيين مصرعهم، ويخرج جيش الأسد والقوى المؤيدة له، بما في ذلك «حزب الله» وإيران، وقد دانت لهم الغلبة، على الأرجح. ليس من الواضح بعد، ما إذا كان تدفق كميات جديدة من الأسلحة على المعارضة السورية المسلحة سيساعد على احتواء هجوم القوات الموالية للنظام على المدن الرئيسية مثل حلب أم لا؛ لكن مما لا شك فيه أن إجراء حوار جاد حول نوعيات الأسلحة التي يتعين إرسالها لمجموعات المعارضة المسلحة المختلفة قد تأخّر طويلاً. وإعلان إدارة أوباما أنها، وبعد الكثير من التريث، ومراجعة النفس، سوف توافق الآن على تزويد القوات المناوئة للأسد، بأنواع معينة من الأسلحة، حفّز على ما يبدو دولًا ومجموعات أخرى، على زيادة مشاركاتها في دعم المعارضة السورية المسلحة. والمعضلة التي تواجه هذه الدول الداعمة للمعارضة، سواء في الإقليم أو خارجه، هي أن المجموعات الأكثر قدرةً منها على محاربة قوات الأسد، ترتبط بالعناصر الأكثر تطرفاً في المعارضة، بما في ذلك تنظيم «القاعدة» على سبيل المثال لا الحصر. والخوف هو من احتمال وقوع الأسلحة، التي يمكن أن يكون لها تأثير فوري في ساحة المعركة، كصواريخ أرض- جو المضادة للطائرات التي تطلق من الكتف، في أيدي «القاعدة» في نهاية المطاف، ليتم استخدامها بعد ذلك ضد صناعة الطيران المدني العالمي، بما ينطوي عليه ذلك من أخطار جسيمة. ومن هنا نجد أن ثمة مناقشات مكثفة تجري في الوقت الراهن، في محاولة للاتفاق على أصناف الأسلحة التي يمكن أن تكون فعّالة ضد نظام الأسد، ولكنها ذات درجة خطورة أقلّ إذا ما وقعت في الأيدي الخطأ، مقارنة بتلك النوعية من الصواريخ المضادة للطائرات المشار إليها. وإدارة أوباما نفسها في حيرة من أمرها في الوقت الحالي بشأن ما يتعين عليها عمله. فالمقربون من دوائر صنع القرار في الإدارة يزعمون أن أوباما نفسه يفضل إبقاء الأميركيين خارج دائرة الصراع المندلع في سوريا، بناءً على الدروس المستفادة من تجربة الانخراط العسكري للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا والتي تعرضت فيها لخسائر فادحة في الرجال والمال من دون أن تنجح في تحقيق الأغراض التي كانت قد تدخلت من أجلها في بادئ الأمر. فالعراق يعاني حالياً من الفوضى العارمة، ويشهد موجة لا تتوقف من التفجيرات، وربما يكون على حافة الانزلاق لحرب أهلية جديدة على غرار تلك التي اندلعت خلال عامي 2006 و2007. وفي أفغانستان لا توجد لدى قوات «الناتو» وحكومة كرزاي خطة مشتركة لترتيب خروج آمن للجيوش الأجنبية منها العام المقبل. وفي ليبيا تواجه تجربة الولايات المتحدة القدر نفسه من الالتباس. فمع أن القوات العربية والغربية تمكنت من إلحاق الهزيمة بالقذافي، من دون حاجة لوضع جنود على الأرض، إلا أن ليبيا تبقى مع ذلك دولة خطرة وغير مستقرة حيث تتصارع فيها حالياً مجموعات مختلفة من أجل السيطرة على المدن الكبرى، وعلى وجه الخصوص بنغازي التي شهدت اضطرابات عديدة في الفترة الأخيرة. وبمعنى آخر، فإن أوباما ينظر إلى سجل التدخلات الأميركية العسكرية السابقة، ويسأل نفسه: ما الفارق الذي سيحدثه انخراط أميركي جديد في سوريا، في المدى البعيد، حتى لو أُطيح بنظام الأسد أو أجبر على الدخول في تسوية مع المعارضة؟ كما أنه يواجه في الوقت الراهن ضغوطاً شديدة لأظهار المزيد من الصلابة في تعاطيه مع المسألة السورية، سواء من جانب الصقور الليبراليين في حزبه، أو المحافظين الجدد، وغيرهم من الصقور في الحزب الجمهوري كالسيناتور «جون ماكين» على سبيل المثال لا الحصر، بل ومن بعض شركائه الأوروبيين بمن فيهم، وهو ما يثير الدهشة حقاً- الرئيس الفرنسي أولاند. وإذا ما أخذنا في الاعتبار هذا الضغط، وادعاء أوباما أن الأسد قد استخدم أسلحة كيماوية ضد شعبه، فإن الاحتمال الأرجح هو أن الأسلحة الأميركية ستبدأ في الظهور في أيدي مقاتلي المعارضة المسلحة قريباً. وفي بداية الأمر سوف يشمل ذلك الأسلحة الصغيرة، ومدافع الهاون، وأدوات الاتصال والسلامة الشخصية. أما الصواريخ المضادة للدبابات، والمدافع الرشاشة الثقيلة، والمدفعية الخفيفة المضادة للطائرات، فيمكن إدراجها في القائمة تمهيداً لإرسالها في مرحلة تالية. والمدافع المضادة للدبابات على وجه الخصوص، يمكن أن تكون ذات فعالية كبيرة في مواجهة قوات الأسد البرية أثناء محاولاتها استرداد السيطرة الكاملة على المدن الكبرى، مثل حلب ودمشق. وإذ ما افترضنا أن عملية التزويد بتلك الأسلحة قد جرى تنسيقها بشكل دقيق مع دول أخرى، وأن هناك تأكيداً على أنها ستعمل بكفاءة وفعالية، فإن النتيجة التي ستتمخض عن ذلك هي أنها ستؤدي لإبطاء المكاسب التي حققتها قوات الأسد، واستعادة نوع من التكافؤ على الأرض، تمهيداً لاستخدامها فيما بعد في عملية جدية لاستنزاف القوات النظامية. وأي خطوات يتم اتخذاها لإلحاق خسائر كبيرة بالقوات الموالية للأسد، بما في ذلك «حزب الله»، سوف تؤدي على الأرجح لتكثيف النقاش الدائر داخل المجتمع السياسي الشيعي اللبناني، حول حكمة انخراط الحزب في مغامرات خارجية. ليس هناك من يعتقد في النقطة الحالية من الزمن أن تلك الأسلحة سوف تضمن النصر لقوات المعارضة، لكنها يمكن أن تؤدي لتجنب تعرض المعارضة المسلحة لهزيمة كبيرة، سوف تكون ذات أصداء بالغة الخطورة في مختلف أنحاء المنطقة، كما ستؤدي لتعزيز قوة ونفوذ إيران، في منطقة الشام والخليج، مع ما قد يترتب على ذلك من تداعيات لا يمكن حسابها بدقة في الوقت الراهن.