سألني أحد القراء النابهين: أين حدود النبوءة في روايتك «سقوط الصمت» التي صدرت مؤخراً عن نهاية حكم «الإخوان» في مصر؟ فأجبته: ألم تقرأ هذا المقطع: «رأيت رجلهم الاحتياطي الذي وضعوه على الكرسي الكبير وهو جالس على الأرض، فوق رأسه لفافة بيضاء، وقدماه مغروستان في التراب، وبصره ذاهب نحو قرص الشمس المجروح بسكين الغروب. كانت عيناه منبلجتين، بينما هناك في الخلفية قصر ذو أسوار عالية قد انفتحت أبوابه أمام سيل عارم من البشر الغاضبين. ورأيت أجولة من دقيق ملقاة على الأرض تدوسها الأقدام فتنفلق ثم ينفرط أبيضها تحت النعال وهي تتقدم دون أن تبالي نحو حفل شواء كبير في البهو الواسع والردهات والدهاليز. المكان كان يغص بالمتدفقين بلا روية، وقطع اللحم الكبيرة ملضومة في أسياخ حديدية طويلة مسنونة، ترقد متراصة فوق أزاهير اللهب، وراحت حوافها تحترق، ورائحتها تنداح في الهواء الحبيس، والدخان يغطي الرؤوس. كانوا جائعين، وعيونهم تقدح شرراً، راح ينفلت من المقل ويزركش السواد بأحمر فاتح. بعض السواعد كانت تنزف دماً. أما الأيدي فقد امتدت تتخطف اللحم المشوي، وترميه في أفواه وسيعة، وتتعالى غمغمة المحتشدين في الصفوف الخلفية انتظاراً لدورهم في الوليمة». قال: نعم قرأته، وفهمت ما فيه، لكنك في كتابك «التغيير الآمن.. مسارات المقاومة السلمية من التذمر إلى الثورة» انحزت إلى النضال السلمي التام، ورأيته وسيلة أنجع للتغيير، فما الذي جعلك في روايتك تلك تعتقد أن العنف سيصاحب عملية إنزال جماعة «الإخوان» من سدة السلطة؟ كان سؤاله غاية في الأهمية، لكنه يفترض ابتداء أن ما في الرواية يجب أن يتطابق مع ما في الكتاب، على رغم اختلاف اللونين من الكتابة. ففي الأول أنا أكتب رأيي وموقفي وأوضح اتجاهي وتصوري، بطريقة مباشرة لا تورية فيها ولا مواربة ولا مجاز، بينما في الرواية أرسم ملامح آراء وأحلام ورؤى الشخصيات التي تتفاعل على الصفحات، من دون أن يكون ما تذكره هو ما أتبناه بالفعل، حتى لو تفهمته أو صغته بأسلوبي. وهنا عدت لأساله: ألم تقرأ الحوار القصير الذي سبق هذا المقطع الذي استنتجت أنت منه موقفي مما سيأتي؟ قال: نعم. قلت: الحوار يدور ببساطة بين ممرضة أصيبت بعجز كلي في ميدان التحرير أثناء الموجة الأولى للثورة وبين والدتها الحزينة عليها، وهو رؤيا منام، تسمعها روحا شابين استشهدا وهما تدوران في الميدان فوق رؤوس المتظاهرين، وبعدها «رأتا معها نهاية كل شيء، حيث راحت الجدران المتعرجة تنهار فوق تلال من الرمل الساف القاحل، وانداح صراخ وعويل في جنبات المكان». قال: نعم هو رؤيا، لكن تأويلها مؤلم. فقلت: للأسف: السلطة لم تفتح ولو فرجة ضيقة أمام حل سلمي، وراحت ترهب الناس وتخيفهم وتتحالف مع تنظيمات إرهابية من دون أن تثبت لهم أدنى كفاءة في إدارة البلاد، أو أي إشارة إلى إمكانية استمرارها بلا قهر ولا تغلب. وأنا أؤمن أن الأغلبية الكاسحة من المصريين تؤمن بالتغيير السلمي، ولكن للسلطة أدواتها العنيفة، وسيجد الناس أنفسهم مضطرين إلى أن يردوا على العنف بمثله أو بما هو أقوى منه. وهنا عاد يسألني من جديد: هل كان الدافع وراء كتابة هذه الرواية هو تصدير تلك النبوءة؟ فأجبته: لا بالطبع، فقد بدأت كتابتها قبل وصول «الإخوان» للحكم، وهي تشمل رحلة زمنية تسبق انطلاق الثورة وتتجاوز ما يجري حالياً إلى توقع ما سيحدث في المستقبل، وحرصت على أن أضع من يقرؤها، في أي زمان وأي مكان، في صورة ما جرى كاملًا، كأنه شارك في هذا الحدث الكبير أو عايشه عن كثب، بل وطالع بعض الجوانب الخفية التي يمكن أن يصل الفن إلى أعماقها البعيدة، وبما يستحيل على التحليل السياسي أو الرصد الإخباري أن يبلغه. وقد ساعدني على هذا أنني كتبت عن واقع كنت في قلبه، وأعرف تفاصيله جيداً، وحاولت أن أهضم كل هذا متجاوزاً النمطي والسائد والتسجيلي والمباشر، لأرسم لوحة فنية تحتفي بالجمالي وتروم سبر أغوار الفعل البشري المعقد في لحظة استثنائية، عبر شخصيات متنوعة خلقت المشهد المهيب، وذلك في بطولة جماعية تضم مختلف النماذج البشرية التي شاركت في الثورة، حيث تضم: الثوري الحالم والانتهازي، وشباباً من الشوارع الخلفية وأبناء الطبقة الوسطى، واليساريين والليبراليين و«الإخوان» والسلفيين والجنرالات وأنصار النظام السابق واللامبالين، والعمال والفلاحين والموظفين والإعلاميين والمثقفين، والشيوخ والصبية والرجال والنساء، والقاضي العادل وترْزي القوانين، وأرواح الشهداء والمصابين، وكذلك الهلال والصليب كرمزين لوحدة وطنية، وتمثال عمر مكرم الذي يتوسط ميدان التحرير، وتمثال زورسر الذي يغادر المتحف ويتفقد الثوار، وتضم أيضاً رسامي الجرافيتي وصانعي اللافتات وكاتبي الهتافات والشعارات، وأطفال الشوارع المشردين ومتحدي الإعاقة، والبلطجية والمتحرشين والمخبرين، والأميين ومجيدي النقر على رقعة الحاسوب ليصنعوا الدهشة والأمل في العالم الافتراضي، والأجانب الذين جاءوا للمتابعة كصحفيين أو دبلوماسيين، وشباباً عربياً بهره ما حدث في لحظته الأولى. كما تضم سيدات المجتمع، وفتيات واجهن كشف العذرية والسحْل في الشوارع الملتهبة، وأخريات قاتلن كالرجال حين فرضت السلطة المستبدة على الثوار مغادرة التعبير السلمي عن الغضب. كان يصغى إليَّ في صمت، ثم سألني فجأة: هل أردت أن تبين حدود الصراع القيمي والنفسي بين التيار الديني المتزمت والمتطرف الذي صعد على أكتاف الثورة وبين قوى التحديث والتغيير والاستنارة، لتتنبأ بانتصار الفريق الثاني في نهاية المطاف؟ فأجبته في هدوء: ليس لدي أدنى شك في أن هذا سيتحقق، لأن من في السلطة وأعوانهم فقدوا ثلاثة أشياء من الصعب جداً استرجاعها وهي: الشعبية والشرعية والصورة الإيجابية، فالأولى نزفت، والثانية جرحت، والثالثة شرخت. فقال: هذا صحيح، لكن: ألا يمكن أن نعبر إلى الأمام دون أن تغوص أقدامنا في دماء وتتعثر في جثث مكومة؟ فأجبته: ارفع يديك معي إلى السماء أن تنتصر إرادة الشعب دون ثمن باهظ، وأن يحفظ الله أرواح الجميع.