السؤال موجه للعرب الذين يدركون أهمية سوريا موقعاً وتاريخاً وعمقاً واتساعاً ومكانة ورمزاً، وهم يرونها تحتضر، وقد باتت مستباحة ينهش في جسدها الطامعون، ويحلم بتقاسمها أصحاب النفوذ، بينما أهلها العرب يكتفون بالتعاطف والدعاء، والخيرون منهم لا يجدون من إخوانهم الآخرين عوناً يمكنهم من التصدي لمن يريد بهم وبسوريا شراً مستطيراً سيطال الأمة كلها. والعجب أن تبدو جامعة الدول العربية أشد ضعفاً مما كانت عليه قبل ظهور «الربيع العربي» الذي سرعان ما تحول إلى شتاء مكفهر تثور فيه عواصف هوجاء تكاد تقتلع جذور الحياة قبل أن تقتلع الآمال التي حلم بها الثائرون، وهم يتطلعون إلى إشراقة وعد بالحرية والكرامة، وإلى خلاص من الفساد الذي نخر عظام الأمة وأوهن ما كان فيها من قوى. لقد كان تدويل القضية السورية تعبيراً عن عجز عربي مفجع، جعل قلب الأمة بيد الغرباء، يعبثون به، ويكبتون ما تبقى فيه من نبض حياة. والعجب ألا يدرك بعض القادة العرب أن سقوط سوريا سيعني سقوط العرب، ولاسيما بعد أن ضاع العراق كما ضاعت من قبل فلسطين، فوصل الحال بالنظام العربي إلى هوة سحيقة من الضعف والهوان. ويبدو مثيراً أن تهمل الأمة ما تمتلك من مَواطن قوة كبرى بوسعها أن تعيد لها اعتبارها على رغم كل ما يحيط بها من تهديد، فماذا لو أن وفداً رفيع الشأن يضم كل العرب يمضي إلى طهران ليناقش موقفها من الشأن السوري، ويعلن أن العلاقات العربية الإيرانية كلها ستكون موضع نقاش إن لم تتوقف إيران عن حربها ضد الشعب السوري وإن لم تأمر «حزب الله» بالانسحاب الفوري من الأراضي السورية؟ وماذا لو أن الوفد ذاته مضى إلى روسيا ليعلن أنه رافض لتدخلها في الشأن السوري، وأن حضورها العسكري في الصراع السوري هو المسؤول عن سفك الدماء، وأن إعاقتها لقرارات مجلس الأمن تسببت بتشريد ثمانية ملايين من الأبرياء السوريين الذين دخلوا في التيه والشتات وقد دمرت بيوتهم، فضلاً عن مقتل واعتقال وفقدان مئات الآلاف من أبناء الشعب السوري، وأن استمرار الموقف الروسي العابث بدماء السوريين يدعو العرب جميعاً إلى اعتبار روسيا عدواً لهم، وإلى إنهاء كل أشكال التعاون مع روسيا؟ وماذا لو اتخذ العرب الموقف ذاته من الصين، فقاطعوا بضائعها وقطعوا علاقاتهم معها إن لم تشعر بأن موقفها يدفع إلى مزيد من القتل في سوريا؟ وحين ينهض العرب بهذا الدور لن يحتاج السوريون لدعم من أوروبا أو أميركا، وسيجد الجميع الحل داخل البيت العربي، وما دام الحل المنشود سياسياً، فإن ما يمكن أن يسفر عنه مؤتمر جنيف المرتقب، لا يحتاج إلى تدخل الأمم، ويخطئ من يظن أن العرب عاجزون عن فعل ذلك، فالعجز الظاهر مرتبط بالإرادة وليس بمكامن القوة. لقد بدت أوروبا في كثير من مراحل الصراع في سوريا أشد اهتماماً بالقضية السورية من بعض الدول العربية، وحين وجد الأوروبيون أن العرب لا يولون القضية جل اهتمامهم فترت همتهم، وهم لم يجدوا قط ضغطاً عربياً لإيجاد حل سريع، ويبدو أن شحنات الإغاثة قد أغاثت المواقف المضطربة وخففت من الشعور بالإثم، لكنها مجرد مسكنات تخفف الإحساس بالألم أحياناً، لكنها لا تعالج المرض المستفحل. وأجزم بأن الأمة إن اتخذت مواقف صارمة وحاسمة من تدخل إيران وروسيا فإن هذه الدول ستعيد حساباتها، وستدرك أن سورية ليست جذعاً مقطوعاً من شجرة مرمية في شارع مهجور من العالم، بوسع الطامعين أن يقطعوا أوصالها كما يشاؤون، بل سيدركون أن سوريا هي جذع السرحة الوارفة المسماة أمة عربية، وأن وراءها أشقاء أقوياء يفزعون لها وينصرونها، ويدركون أن مصابها هو مصابهم جميعاً. لا أطلب في هذا من أشقائنا العرب جيوشاً ولا أسلحة، فأنا شخصياً ضد العنف وضد القتل، وقد أعلنت من البداية موقفي الرافض لما يسمونه الحل العسكري لأني كنت أدرك أنه سيوصل البلاد إلى الدمار، إنما أطلب من العرب أن يقفوا موقفاً سياسياً قوياً أمام العالم، فيكفوا أيادي الآخرين من فرس وروس يعبثون بمصير خمسة وعشرين مليون إنسان سوري، وبمقدرات بلد عربي هو البوابة على الشرق والغرب، وهو القلب الحي النابض في جوف كل عربي مخلص لأمته. والخطر الراهن اليوم هو تحول تلك المظاهرات الاحتجاجية السلمية التي بدأت مطالبة بالحرية والكرامة (وكان بالإمكان تلبيتها ببساطة وحكمة) إلى صراع طائفي محتدم بين السنة والشيعة، وهو خطر يهدد الأمة كلها، وتريد إيران منه عبر تدخل «حزب الله» وفصائل من جيوشها بشكل علني أن تستغل الضعف العربي لتمزيق المجتمعات العربية، وقد بدأت ملامح ذلك في جرائم ترتكب في بعض المدن العربية لتحريض الغوغاء وإثارة الحمقى لإشعال الفتن، وكان هدف رايات الحسين التي يرفعها المحاربون الباحثون عن ثأر للحسين في سوريا هو إثارة الفتنة الطائفية، وتحويل الصراع في سوريا من صراع سياسي إلى صراع ديني مذهبي. والخطر الثاني هو اختلاط الحابل بالنابل في سوريا، فتحت مسميات الثورة وكتائبها وفصائلها يسهل أن تدخل تنظيمات إرهابية، وأن تجعل في سوريا قواعد لها، فتعمّي على أهداف الثورة الوطنية الشعبية، وترتكب جرائم وفظائع باسمها، لتشويه صورة الثورة والثوار، ولإثبات أنهم مجرمون وأشرار. وربما اتهمني كثير من القراء بأني واهم حين أحسن الظن بالأمة العربية، وسيقول قائل «لا حياة لمن تنادي»، لكنني واثق من أن الأمة حية، وأن لديها من القوى ما يجعلها قادرة على فرض شروطها. ولكن من سوء حظ السوريين أن تغيب مصر وتغرق في حمى صراعات السلطة والمعارضة، وأن تنشغل ليبيا وتونس واليمن بتداعيات النقاهة بعد ثوراتها، وأن تخضع الحكومة العراقية لسياسة إيران، وأن يصير لبنان والأردن مهددين حذرين من لهيب النيران، وأن يغلب قرار السلطة رأي الشعب في الجزائر، وأن يكون المغرب بعيداً عن الحدث على رغم تعاطف شعبه مع قضية السوريين. ولم يبق في ساحة القرار غير دول الخليج العربي والسعودية. ويزداد الحظ سوءاً بانشغال تركيا الصديقة بما جدّ فيها من احتجاجات، ويجد الفرس والروس فرصة تاريخية لتقاسم النفوذ في أهم موقع على شرفة المتوسط، ويبتهج الإسرائيليون لأن ما يحدث من دمار لسوريا يفوق ما كانوا لا يجرؤون حتى على أن يحلموا به.