أثبتت حوادث الأيام أن «الفكر الصفوي» بدأ ينتشر بثوب جديد. وهذا ما أبرزه وقوف إيران ضد إرادة الشعب السوري ومساهمتها في قتل المُطالبين بالحرية والكرامة، ودعمها لـ«حزب الله» وحثه على الدخول في الزاع بقوة عسكرية أمعنتْ في قتل السُّنة وتشريدهم. والثوب الجديد هنا لا يختلف عما كان عليه الحال أيام إسماعيل الصفوي عام 1500 (الذي يدعي أنه من سلالة الإمام السابع عند الشيعة، وأصله فارسي وليس عربياً). ولا يختلف عن أيام عباس الصفوي -في القرن السادس عشر- الذي تحالف مع الإنجليز وآواهم واتخذهم مستشارين بقصد كسبهم للوقوف إلى جانبه في حربه مع الدولة العثمانية (السنيّة). إلا أن الدولة العثمانية والأفغان قضوا على تلك الدولة -بعد أن حكمت زهاء 300 عام- التي لم ينسَ أهلها تلك الهزيمة، وورثوها لمن أتى بعدهم من «الأفشاريين» و«الأسرة القاجارية» التي استمر حكمها حتى عام 1944. وانتهى الأمر إلى أسرة «بهلوي» التي حكمت حتى قيام الثورة الخمينية عام 1979، التي قضت على الحكم الملكي «الشاهنشاهي» في إيران؛ ولكنها لم تختلف في الممارسة العملية في عدائها للسُّنة. وكان مما قام به الصفويون عبر تاريخهم: - إقامة المجالس الحسينية، وما يصاحبها من لطم وتطبير وتجسيد مقتل الحسين في كربلاء. - طباعة شعارات تمجّد علياً كرّم الله وجهه على العملة الصفوية. - قتل علماء وفقها المذهب السُّني. - تطوير مراقد الأئمة الشيعة وبناء قباب عليها. - اتخاذ مدينة قـُم مركزاً للشيعة. - عدم اكتمال الحج إلا بزيارة مرقد الإمام الرضا في مشهد. وكانت هذه الإجراءات قد اتخذتها الدولة الصفوية ضد الشعب الإيراني، الذي كان يشكل السُّنة فيه نحو 65%، في عداء سافر للسُّنة الذين تعايشوا مع فارس الإسلامية التي أنجبت علماء أثروا الحضارة الإسلامية والعربية أمثال: البخاري، ومسلم، وسيبوبه، والبيروني وغيرهم! وعلى طرف نقيض كانت سياسة الصفويين تتسم بالعداء والكراهية لكل ما له صلة بالسُّنة! وهم بذلك غيّروا نهج التفكير وبدّلوا وجه الحياة الثقافية والاجتماعية الإسلامية، حيث اتسم عهدهم بالإعلان الصريح بأنه ضد السنة، حيث استباحوا الحرمات وارتكبوا مذابح بحقهم. في تبريز مثلاً، ارتكب الصفويون مجزرة بحق السنة، حيث قتلوا أكثر من 20 ألف شخص، ومثلوا بجثثهم وقطعوا أوصال الرجال والنساء والأطفال. وكان من الأخطاء الفادحة التي ارتكبها الصفويون تحالفهم مع الدول الأوروبية -حتى يُضعفوا الدولة العثمانية السنيّة- وبذلك أضرّوا بعمليات الفتح الإسلامي، ومحاولاتها الوقوف في وجه المد الصليبي في المنطقة. كما تحالف الصفويون مع القوى البرتغالية والهولندية الغازية، وكذلك الإنجليز ومنحوهم امتيازات عسكرية وتجارية. ويعتبر المؤرخون أن الدولة الصفوية كانت أول من أدخل الاستعمار الأوروبي إلى المنطقة. وهذا يبرر الموقف الإيراني وتحالفهم «الخفي» مع الغرب ضد الدول العربية. وفي إثبات لكراهية الصفويين للسنة ما قام به الشاه عباس الصفوي عام 1599، حيث أمر بإطعام العوام آذان وأنوف العلماء السنة. وقد تلقى إسماعيل الصفوي رسالة من الحاكم البرتغالي في الهند يقول فيها: «إني أقدّر لك احترامك للنصرانيين في بلادك، وأعرض عليك الأسطول والجند والأسلحة لاستخدامها ضد قلاع الترك في الهند. وإذا أردت أن تنقض على بلاد العرب أو تهاجم مكة، فستجدني بجانبك في البحر الأحمر أمام جدة، أو في عدن، أو في البحرين، أو القطيف، أو البصرة، وسيجدني الشاه بجانبه على امتداد الساحل الفارسي». وما أشبه الليلة بالبارحة! فهذا هو الحكم الصفوي الجديد في إيران يتشبه بسابقه، ويمارس أكثر مما أبداه «البوكيرك» البرتغالي تجاههم، إذ أرسلوا قواتهم ومدربيهم إلى سوريا لقتل السنة، وحثوا «حزب الله»، ذراعهم الطولى في لبنان، على الدخول في النزاع والوقوف مع النظام السوري، في مخالفة واضحة لأبسط قواعد الانتماء الإسلامي والإنساني. ناهيك عن الإعلانات الإيرانية المتكررة بضرب المصالح الأجنبية في المنطقة العربية، واحتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث، والتدخل الإيراني في أحداث العراق ومناصرة الشيعة وتأليبهم ضد إخوانهم السُّنة وزرع الفتن في لبنان واليمن، وغيرها من البلاد العربية. لقد بدأت تحركات شعبية في المنطقة العربية لوقف هذا المد الصفوي الذي يتعطش لألف كربلاء ضد السُّنة، ومقاطعة المنتمين لـ«حزب الله»، ودعوة الحكومة اللبنانية لتحمل مسؤولياتها فيما يتعلق بنشاطات الحزب الذي تمتلك إيران بوصلته. إن الوقت قد حان لوقف هذا التطرف الصفوي، وأن يتحالف العرب -سنة وشيعة- بعيداً عن الأفكار الإقصائية التي تمارسها إيران في المنطقة. ولقد عشنا سنوات عمرنا لم نشعر بأي ضغينة أو حقد أو كراهية بيننا وبين إخواننا الشيعة، بل أحياناً لا نعرف السني من الشيعي، ولم نكن نلتفت إلى مثل هذه الانحرافات الإيديولوجية التي بدأت إيران تجديدها مع مجيء الثورة الخمينية. ولابد من عودة التلاقح الفكري والتبادل الثقافي بين الشعوب العربية والشعب الإيراني، الذي هو الآخر يتوق إلى الحرية والعدالة والمساواة، بعد أن ذاق مرارة الحكم الثيوقراطي الحاد لطموحاته وتطلعاته المشروعة.