«العملاق استيقظَ»، و«هذا ليس احتجاجاً على رفع الأسعار، إنها صرخة أناس لا يتحملون المزيد من الفساد»، و«نعتذر عن الإزعاج، نحن نُغيّر البلد». هذه لافتات رفعها المتظاهرون في سان باولو، وريودي جانيرو، وعشر مدن برازيلية تجاوز عدد المشاركين فيها المليون. إنه «الربيع العربي» على الطريقة البرازيلية، تلخصها لافتات مرحة كرقصة السامبا؛ «إذا لم يكن الآن، فمتى؟ إذا لم نكن نحن، فمن؟»، و«الآن قصيدة؛ الورود حمراء كلون الثورة، وشاهدوا على التلفزيون كيف أُغيِّر التاريخ»، ولافتة تخاطب الشرطة: «أنا أكتب التاريخ، لا تمحوه برصاصكم المطاطي»، وروح الدعابة حتى في الاحتجاج ضد رفع أسعار النقل، الذي كان السبب المباشر للتظاهرات «سيارة الباص مثل قلب الأم، هناك دائماً مكان لقادم جديد»! وتمارس احتجاجات البرازيليين المطلبية النقد الذاتي في لافتات، مثل «المجتمع الصامت لا يتغير»، و«هذه القبيلة متخلفة جداً». ولافتات تعرض برنامج «الربيع البرازيلي» بالأرقام؛ «10 في المائة من الناتج الوطني للتعليم»، ولافتة تفضح «مرتبات 334 مدرساً تعادل مرتب برلماني واحد». ولا تستثني الاحتجاجات لعبة «كرة القدم» في بلد بيليه ورونالدو. لافتات تحتج على إنفاق أموال طائلة لمباريات كرة القدم العالمية هذا العام، وعلى «الألعاب الأولمبية العالمية» العام المقبل، و«نطالب بإنشاء مدارس ومستشفيات بمعايير الفيفا»، إشارة إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم الذي تُهدر عليه الأموال. وتثير الدهشة الروح الوطنية لهذا الشعب الذي يتكون كله تقريباً من مهاجرين: «لا يسار ولا يمين كلنا برازيليون»، و«أنا لن أغادر، الأمور سيئة هنا لكنها ستتحسن»، ولافتة عتاب وطنية تعتصر القلب: «يا برازيل ماذا لو تبادليني الحب؟ أمْرَضَني هذا الحب الأفلاطوني». ولافتة معابثة تسأل: «أنا أحب النساء، ثم ماذا؟». ومن لا يحب متظاهرات خلاسيات، ذهبيات البشرة؛ العيون خضراء أو زرقاء، وكوكتيل الأعراق البرازيلية يرتّجُ في أعطاف السامبا وحشية كظباء أفريقيا، وناعمة كالقطط الأوروبية المدللة. صور التظاهرات معروضة في موقع إنترنت تفاعلي لصحيفة «نيويورك تايمز»، وتؤشر على اللافتات، وتظهر ترجمتها بالإنجليزية. والسؤال المحيّر: لماذا هبّت رياح «الربيع العربي» على البرازيل وتركيا، وأداؤهما الاقتصادي والسياسي مثار إعجاب المراقبين العالميين؟ البرازيل احتلت المرتبة السابعة عالمياً بحجم الاقتصاد، وتجاوز إجمالي إنتاجها الوطني تريليوني دولار. وتركيا بنظامها المختلط، الديني والعلماني، واقتصادها المختلط من القطاعين العام والخاص، سجلت أرقاماً قياسية بوتيرة نموها الاقتصادي التي بلغت 9 في المائة سنوياً، وتجاوز إجمالي منتوجها الوطني العام الماضي تريليوناً و300 مليار دولار. رئيس الوزراء التركي أردوجان يعتبر ما يجري مؤامرة خارجية ضد تركيا والبرازيل. ويرى «اللعبة نفسها، والرموز نفسها، واللافتات نفسها، وبالذات تويتر، وفيسبوك، والإعلام الدولي، وتُقادُ الاحتجاجات من المراكز نفسها. يريدون أن يتوصلوا في البرازيل إلى ما أخفقوا فيه في تركيا. اللعبة نفسها، والفخ نفسه». والمفارقة تكمن في إنكار المعارضة والحكم التركيين أن تكون ساحة «تقسيم» في أسطنبول «ميدان التحرير» في القاهرة. هل يعود ذلك إلى أن الأتراك يعتبرون ثورتهم أرقى مستوى من «الربيع العربي»، أم أنه مجرد التطير من مصير الثورات العربية؟ لا نشكك بصحة اتهامات رئيس وزراء تركيا، لكن لا نفهم لماذا لم تصرح بذلك رئيسة البرازيل ديلما روسيف، بل تعاطفت مع مطالب المتظاهرين، وأعلنت تخصيص 21 مليار دولار لتوفير وسائل مواصلات أفضل، وتنظيم استفتاء عام حول برنامج للإصلاحات. هل وقع أردوجان في الفخ نفسه الذي حذّر منه؟ «أردوجان مأساة شكسبيرية خالصة»، عنوان مقالة الكاتب البريطاني «فايكرا حيبون» الذي يدهش من تحويل أردوجان مشكلة متنزه شجيرات إلى حالة طوارئ عامة. ويُذكِّرنا جيبون كيف كان أردوجان حتى قبل ثلاثة أسابيع مرشحاً لدخول التاريخ كأحد أعظم المصلحين في تاريخ تركيا على قدم المساواة مع أتاتورك، وسليمان القانوني، وكان يملك القوة لمعالجة مشاكل امتدّت قرناً مع الأكراد والأرمن واليونانيين. وبدا المستقبل الآمن والمزدهر والديمقراطي، الذي كان أردوجان يقود تركيا إليه نموذجاً، ليس للبلدان الإسلامية فحسب، بل أيضاً لقوى اقتصادية صاعدة تتطلع للتحرر من ماض ثقيل. ويعتقد الكاتب البريطاني الذي عرف أردوجان منذ كان عمدة لإسطنبول أن «أعظم إنجازاته، التي تفوق حتى الازدهار الذي حققه، رغم الركود الاقتصادي العالمي، هو تحطيمه سلطة الجيش التي قيدت الديمقراطية التركية طويلاً. إلا أنه تفكك بفعل رُهاب القوة التي جمّعها لإضعاف الجنرالات، بوسائل شريرة، ومنصفة على حد سواء». وتحول أردوجان خلال بضعة أيام إلى تجسيد كل الاستبداد المفسد لتركيا الكمالية، وعنفها الذي انتُخب لأجل اكتساحه. ويثير التهكم في هذه المأساة الشخصية التي قلّما يتفضل أحد بالاعتراف بها أن أردوجان فعل ذلك لنفسه. «بلغت قبضته على الحكم من القوة بحيث لا يمكن إلا لأردوجان أن يدّمر أردوجان». وكمعظم الصحف العالمية تردف صحيفة «الجارديان» التي نشرت المقالة بتعليقات مئات القراء في موقعها الإلكتروني، أتوقف عند أولها الذي يتساءل عمّا إذا كان المقصود بمأساة شكسبير «الملك لير» أم «عطيل»، أو «ماكبث» أم «هاملت». ولا أعتقد أن أردوجان الأتاتوركي الشرس يملك هشاشة «الملك لير» الذي اعترف: «لا طريق عندي، لذا لا أريد عينين؛ أنا أتعثر عندما أرى». ولا هو ماكبث الذي تورط في مؤامرة دموية للاستيلاء على الحكم فاكتشف: «ليست الحياة سوى ظل سائر، لاعب مسكين، يتبختر، ويهتاج خلال ساعته فوق المسرح، ثم لا يُسمعُ عنه أكثر، إنها قصة يحكيها أبله، مملوءة بالضجيج والغضب، ولا تعني شيئاً». ولا صحة للاعتقاد السهل بأن الاختلاف بين ديلما البرازيلية ورجب التركي سببه العقيدة الدينية المختلفة للزعيمين. فالإسلام في تركيا أنجب شخصيات تثير اليوم رجاء المثقفين العالميين. «هل يمكن أن ينقذنا جلال الدين الرومي؟»، يتساءل الكاتب الأميركي جوناثان كوريل في مقال بصحيفة «سان فرانسيسكو كرونيكل». ويعتقد كوريل أن حياة وكلمات الشاعر الصوفي الذي عاش في القرن الـ13 الميلادي قد تملك معنى خاصاً للقرن الـ21 الذي تمزقه الحروب والمذابح والكراهية. وسواء أحببت أم كرهت وزير الخارجية التركي أغلو الذي افتخر بالرومي في كتابه «العمق الاستراتيجي»، فنفسك تهفو لقول الرومي «بالحب تصبح الأشواك وروداً»، ومعه أدرك «لا تجزع من جرحك، وإلا فكيف للنور أن يتسلل إلى باطنك»، و«إذا كنت تبحث عن مسكن الروح فأنت الروح، أو تفتش عن قطعة خبز فأنت الخبز، وإذا استطعت أن تدرك هذه الفكرة الدقيقة فستفهم أن كل ما تبحث عنه هو أنت». وأخيراً، «وضع الله أمامنا سلّماً علينا أن نرتقيه درجة فدرجة، لديك قدمان فلِمَ التظاهر بالعرج؟».