تصنـِّف العلوم الطبية المشيمة، التي تربط الأم بالجنين أثناء الحمل من خلال الحبل السري، على أنها عضو كامل التكوين والوظيفة، مثلها في ذلك مثل القلب أو الكبد أو غيرهما من الأعضاء، وإن كانت المشيمة تختلف عن بقية الأعضاء في أنها تظهر مع بداية الحمل، وتُفقد مع انتهائه، وهو المصير الذي يتكرر مع كل حمل. وتؤدي المشيمة عدة وظائف، أهمها إيصال الغذاء والمواد الحيوية والأكسجين من دم الأم إلى دم الجنين، وتخليصه من الفضلات، ومن ثاني أكسيد الكربون. والوظيفة الأخرى التي تضطلع بها المشيمة، هي الحجز أو المنع، من خلال ما يعرف بالحاجز المشيمي، الهادف إلى منع الميكروبات التي قد توجد في جسم الأم من الوصول إلى دم الجنين. وهذه الوظيفة ليست على القدر نفسه من الفعالية والكفاءة التي تتمتع بها المشيمة على صعيد مد الجنين بالغذاء والأكسجين وتخليصه من الفضلات، حيث تتمكن بعض الجراثيم من عبور الحاجز المشيمي، وإصابة الجنين في الرحم. مثل فيروس الأيدز، وفيروس الحصبة الألمانية، وطفيلي التوكسوبلازما المسبب لما يعرف بداء القطط، وفيروس التهاب الكبد (ب)، وفيروس الهربس، وميكروب مرض الزهري، وميكروب مرض الكلاميديا، بالإضافة إلى أحد أنواع الفيروسات المرتبط بسرطان الدم، وغيرها من الفيروسات والميكروبات. وهذا الفشل في حماية الجنين، لا يقتصر فقط على الجراثيم، بل يمتد أيضاً إلى بعض المواد الكيميائية السامة، والعديد من العقاقير المستخدمة على نطاق واسع لعلاج بعض الأمراض. ويبلغ حجم هذه المشكلة أنه على رغم توافر قواعد بيانات تحتوي على تأثير المئات من الأدوية والعقاقير على الأجنة، مثل (Safefetus.com)، إلا أن حجم المعرفة الطبية في هذا المجال لا يزال يعتبر محدوداً جداً بكل المقاييس. ويعود السبب في ذلك إلى أنه على رغم قيام الجهات والهيئات المسؤولة عن مراقبة وتنظيم قطاع الدواء، بتدقيق ومراجعة الدراسات والأبحاث المتعلقة بمدى أمان وسلامة العقاقير المستخدمة في المجال الطبي، إلا أن بيانات تلك الدراسات والأبحاث غالباً ما لا تتضمن الحوامل والأجنة. فعلى رغم أن جميع الأدوية والعقاقير، سواء التي تصرف بوصفة طبية أو بدونها، تخضع في جميع مراحل تطويرها إلى دراسات لبيان مدى فعاليتها وكفاءتها، بالإضافة إلى درجة أمنها وسلامتها للاستخدام البشري، إلا أن تلك الدراسات لا تشمل الحوامل والأجنة. ويعود السبب في ذلك إلى أن هذا الجزء من المجتمع يشكل عدداً صغيراً بالنسبة لتوقعات المبيعات للعقار الذي يتم تطويره، بدرجة لا ترغب فيها الشركات المصنعة في تحمل تكلفة إجراء الدراسات على الحوامل، أو تكلفة قضايا التعويضات التي قد تنتج من تشوه الأجنة أثناء الدراسة، وتكتفي بوضع تحذير للأمهات الحوامل بعدم تناول هذا العقار أو ذاك، وإذا ما فعلن فلا تتحمل الشركة أية مسؤولية. والسبب الآخر في نقص البيانات المتعلقة بتأثير الأدوية والعقاقير على الحوامل والأجنة، وهو سبب منطقي، أنه من الصعب أن توافق أو ترضى امرأة حامل، بتجربة عقار أو دواء الجديد، لمعرفة ما إذا كان سيقتل جنينها أو يشوهه. ولذا تقتصر البيانات المتوافرة لأفراد المجتمع الطبي على تأثير الأدوية والعقاقير على الأجنة على مصدرين رئيسيين؛ التجارب على إناث بعض الحيوانات أثناء حملهن، ونتائج ما يعرف بمرحلة ما بعد التسويق أو البيع. ويعيب المصدر الأول، أو التجارب على الحيوانات، أن الحيوانات ليست بشراً، والبشر ليسوا حيوانات، ولذا يمتلئ التاريخ الطبي الحديث بعقاقير أظهرت نتائج مذهلة لعلاج مرض ما في الحيوانات، لتفشل فشلاً ذريعاً لاحقاً عند تجربتها على البشر. كما أن العديد من الأدوية والعقاقير الأخرى، التي أظهرت مستوى جيداً من الأمن والسلامة على الحيوانات في مرحلة التجارب والدراسات، أدت إلى مضاعفات خطيرة عند تجربتها على البشر. ولكن في ظل عدم توافر خيارات أخرى، ستظل تجربة الأدوية والعقاقير في مرحلة التطوير والدراسات على الحيوانات هي الخيار المتاح حالياً، وإن لم يكن خياراً مثالياً. أما المصدر الثاني، أو بيانات مرحلة ما بعد التسويق، فتقصد به النتائج السلبية والمضاعفات الخطيرة، الناتجة عن تناول دواء أو عقار من قبل امرأة حامل بعد طرحه للبيع في الأسواق. وتعتمد هذه المرحلة على تسجيل هذه النتائج وتلك المضاعفات من قبل أفراد المجتمع الطبي، وإبلاغها للشركة المصنعة، أو الهيئة الرقابية المعنية. ومن الواضح أن مثل هذا الأسلوب، قد تكون فعاليته وكفاءته متأخرة لبعض الأجنة. ولذا يعمد الأطباء إلى منح نصيحة عامة للأمهات الحوامل، بعدم تناول أي عقار أو دواء أثناء الحمل، حتى لو كان معروفاً عنه عدم تأثيره على الأجنة، إلا في حالات الضرورة. فإذا ما كان من الممكن التحكم في الاضطراب الذي تعاني منه الأم أثناء الحمل بالاعتماد على أسلوب علاجي آخر، أو كان من الممكن تحمل علاماته وأعراضه دون توقع حدوث تطورات خطيرة، فيفضل عدم تناول أي عقار أو دواء أثناء الحمل، وخصوصاً في الشهور الأولى بالتحديد. وجدير بالذكر والتنويه هنا، أن على المرأة الحامل مراجعة طبيبها المختص دائماً، في حالة إصابتها بمرض أو اضطراب ما، حيث إنه الوحيد القادر على تقييم ظروف كل حالة، ومنحها النصيحة السليمة بإمكانية تناول -أو عدم تناول- دواء ما، بناء على المعطيات الطبية الآنية المتاحة له.