تلوح في الأفق حرب تجارية ضارية بين الاتحاد الأوروبي والصين التي يحتل اقتصادها الآن المركز الثاني كأكبر اقتصاد عالمي بعد الولايات المتحدة، وهذه الأخيرة لن تكون بدورها بعيدة عن هذه الحرب التي يحاول الجانبان تفاديها بشتى الطرق، وذلك لتجنب أضرارها البالغة ليس على اقتصاد الجانبين فحسب، وإنما على الاقتصاد العالمي ككل. والبداية كانت مع إعلان الاتحاد الأوروبي مؤخراً عزمة على فرض رسوم لمكافحة الإغراق على واردات الألواح الشمسية الصينية بنسبة كبيرة تبلغ 47 في المئة اعتباراً من بداية شهر يونيو الجاري، وتهدف هذه الخطوة إلى حماية الاستثمارات الأوروبية الكبيرة الموظفة في إنتاج الألواح الشمسية عالية التكلفة، مقابل الألواح الصينية الرخيصة. وردّت الصين بسرعة على الخطوة الأوروبية معلنة فتح تحقيق لمكافحة إغراق أنابيب الصلب عالية الأداء من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان، وتلتها بخطوة أخرى تتعلق بفتح تحقيق آخر حول واردات النبيذ القادمة من الاتحاد الأوروبي، مما ينذر بحرب تجارية لا يرغب أي من الطرفين في حدوثها. وفي هذا الشأن ذكرت صحيفة الشعب الناطقة باسم الحزب الحاكم في الصين أن «الصين تحاول تجنب حرب تجارية مع أوروبا»، كما أن المتحدثة باسم وزارة التجارة الصينية صرحت بأن بلادها «تريد التفاوض مع الجانب الأوروبي بشأن القضايا موضع الخلاف من أجل الحفاظ على التعاون الاقتصادي والتجاري الصيني - الأوروبي». ومن جانبه دعا الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند إلى عقد اجتماع للاتحاد لبحث النزاع التجاري مع الصين، الذي يهدد بإلحاق أضرار بصادرات فرنسا، في حين رفض الاتحاد الأوروبي الاتهامات الصينية بشأن عملية الإغراق. وتأتي هذه التهديدات والتهديدات المضادة في وقت يمر فيه اقتصادا الجانبين بظروف صعبة تتطلب التعاون، فالأزمة المالية لا تزال تعصف باقتصاد منطقة «اليورو»، وذلك على رغم انخفاض حدتها في الآونة الأخيرة، في حين هناك مؤشرات إلى إمكانية انفجار فقاعة ائتمانية في الصين ربما تشكل تهديداً للاقتصاد العالمي ككل، حيث ارتفع إجمالي الائتمان من 9 تريليونات دولار قبل الأزمة إلى 23 تريليون دولار حالياً. ومع أن كل طرف يحاول تحقيق مكاسب تجارية إضافية لتعزيز موقعة في التجارة الدولية، إلا أنه يسعى في الوقت نفسه إلى تجنب حرب تجارية مدمرة، علماً بأن النمو الاقتصادي العالمي الهش لا يمكنه تحمل حرب تجارية بين أكبر اقتصادين عالميين بعد الولايات المتحدة الأميركية. ولذلك هناك احتمالان حول سير تطور الأحداث التي ستجد لها انعكاسات ذات طابع عالمي، الأول أن تنجح المفاوضات بين الجانبين ويتم تجنب النزاع، وذلك من خلال التوفيق بين مصالح الطرفين، وبالأخص الاتفاق حول التعاون بين مصنعي الألواح الشمسية الأوروبية والصينية، وخصوصاً أن هناك طلباً عالمياً متنامياً على هذه المنتجات، وذلك بفضل المشاريع الضخمة المنفذة والمتوقع تنفيذها في العديد من بلدان العالم في السنوات القليلة القادمة، وبالأخص بعد انخفاض تكاليف إنتاجها بفضل التقنيات الصينية. أما الاحتمال الآخر، فيتمحور حول فشل المفاوضات ودخول الطرفين ومعهما العالم في حرب تجارية تأتي في غير موعدها وستقضي على الآمال الضعيفة بشأن تعافي الاقتصاد العالمي، وبالأخص اقتصاد منطقة «اليورو» والاقتصاد الصيني المهدد بالتباطؤ. وإذا ما حدث ذلك، فإن غبار الأزمة سيصيب الجميع، ففي الوقت الذي ربما تنخفض فيه أسعار السلع الواردة من أوروبا والصين والعديد من المناطق، فإن التباطؤ الاقتصادي سيؤدي إلى انخفاض الطلب على مصادر الطاقة، بما في ذلك النفط والغاز، مما قد يؤدي إلى انخفاض الأسعار إلى ما دون المئة دولار للبرميل. ولتفادي ذلك، فإنه يمكن للبلدان المؤثرة اقتصادياً المساهمة في حل الخلافات القائمة بين الجانبين الأوروبي والصيني وإشراك منظمة التجارية العالمية، التي تملك بنية قانونية وتشريعية تتيح حل الخلافات بالطرق الودية، حيث سبق لها وأن ساهمت في حل العديد من الخلافات التجارية بين بلدان العالم، مما قد يوقف اشتعال هذه الحرب ويجنب العالم هزة اقتصادية جديدة.