عندما تهجم ميت رومني على روسيا خلال حملته الانتخابية باعتبارها «العدو الجيوسياسي رقم واحد» للولايات المتحدة، تعرض لانتقادات لاذعة، ولكن روسيا تظل بالفعل قوة مهمة بمواردها الطبيعية الهائلة وقدراتها العسكرية الكبيرة، حيث تضاهي أميركا في السلاح النووي، فضلاً عن رأسمال بشري من الطراز العالي. وقد أشار رومني أيضاً بالإضافة إلى نقاط القوة الاستراتيجية إلى اختلاف المصالح بين قادة روسيا من جهة وما تريده الولايات المتحدة من جهة أخرى. وهذا التباين في وجهات النظر يظهر على نحو واضح في الحالة السورية، حيث عطلت موسكو أي محاولة داخل الأمم المتحدة لتسويغ التدخل العسكري مع دعمها المتواصل لنظام الأسد، وإمداده بمختلف الأسلحة. ولفهم تصرف روسيا وتوضيحه لابد من الإحاطة بالدوافع الجيواستراتيجية التي تحرك خطواتها على الساحة الدولية. وفي اعتقادي أن أهداف روسيا فيما يتعلق بالموضوع السوري متعددة، وأولها عدم رغبتها في السماح بتغيير النظام من خلال آليات الأمم المتحدة كما وقع في ليبيا. ثم هناك القاعدة البحرية في ميناء طرطوس التي تسعى للحفاظ عليها. ولكن بالمفهوم الاستراتيجي الأشمل ربما تنظر روسيا إلى سوريا باعتبارها أيضاً نقطة الارتكاز المهمة في منطقة غرب آسيا التي تسمح بتشكل تحالف مناهض للدول السنية الصديقة للولايات المتحدة. فالشرق الأوسط، وعلى رغم توجه أميركا نحو شرق آسيا، يظل هو أهم منطقة في العالم، وهذه النقطة تسعفنا في فهم سبب إصرار روسيا على عدم انتصار المعارضة السورية، ووقوفها العنيد مع إيران في برنامجها النووي. وبالطبع يساهم نفوذ إيران المتنامي في المنطقة وعلاقاتها المتداخلة مع شيعة العراق الذين يقودون الحكومة في ضمان التواصل المهم بين الجزأين الشرقي والغربي للهلال الجيوسياسي المتشكل من دول متحالفة، مع اضطلاع العراق بدور الجسر الذي يضمن التواصل، وبهذا المعنى تصبح سوريا هي المحك الذي من خلاله يمكن اختبار قوة روسيا ونفوذها واستراتيجيتها في المنطقة. ومن التعطيل السياسي في الأمم المتحدة وخلق تحالفات جديدة إلى القوة النووية والسلاح التقليدي المهم تبقى روسيا قوة لا يستهان بها. وفي الوقت الذي تتحدث فيه الولايات المتحدة عن الانصراف عن الشرق الأوسط والتركيز بدلاً منه على شرق آسيا تحاول روسيا ملء الفراغ والاضطلاع بدور ريادي، وما التجاهل الذي قابلت به موسكو دعوات أوباما المتكررة للتفاوض حول تقليص الأسلحة النووية سوى دليل على ثقة روسيا بنفسها وبمكانتها العالمية. ولذا فمن المهم التساؤل: كيف يمكن تعويض رومني الذي يبدو أن تعليقاته بشأن روسيا كانت إلى حد بعيد صائبة، وكيف يمكن التعامل مع التمدد الجيواستراتيجي الروسي؟ من وجهة نظري هناك ثلاث خلاصات أساسية تفرض نفسها، أولاً هناك حاجة ملحة لمنع روسيا من «الانتصار» في سوريا من خلال الدعم المكثف للثوار، أو التسريع بإطلاق عملية سلام تنتهي بالانتقال إلى مرحلة ما بعد الأسد. وفي جميع الأحوال يتعين تقليص النفوذ الروسي ومنعه من تشكيل التحالف الخطير في غرب آسيا المعادي للدول السنية الصديقة. والخلاصة الثانية هي الدور المحوري للعراق في الاستراتيجية الروسية باعتباره همزة الوصل بين الجناحين الشرقي والغربي للمنطقة، ما يعني ضرورة انخراط أميركا في دعم سُنة العراق. والخلاصة الثالثة تتعلق بإيران التي تمثل الطرف الثالث في المعادلة الروسية فالحل سهل ويعتمد على التوصل إلى تفاهم مع النظام في إيران يمنح من خلاله ضمانات بعدم إسقاطه مقابل الحصول على تأكيدات يمكن التحقق منها بشأن إنهاء الجزء التسليحي من البرنامج النووي. ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ جون أركيل أستاذ التحليل العسكري بالكلية البحرية الأميركية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»