في أقل من عشرة أيام احتل الموضوع السوري المقام الأول في مؤتمرين دوليين عقدا في الآونة الأخيرة، أولهما كان في بريطانيا، وهو مؤتمر مجموعة الدول الثماني الكبرى في العالم، والذي عادة ما يهتم بالمشاكل العالمية وليست الإقليمية المحدودة. لقد أصبحت المشكلة السورية إذن مشكلة عالمية، بعد أن كانت وطنية داخلية في مراحلها الأولى ثم أصبحت إقليمية فيما بعد. وثمة مؤشر آخر على هذه الأهمية الدولية للبند السوري في القمم والاجتماعات الكبرى، ذلك أن الرئيس الروسي بوتين فضَّل الوقوف إلى جانب النظام السوري الحاكم، بدلا من الوقوف إلى جانب زملائه من قادة الثماني الكبرى المجتمعين في المؤتمر، إن اتضح أن خياره هو الإبقاء على بشار رئيساً لسوريا حتى لو كان الثمن عزلة دولية لروسيا. وطالما أن المعهود في السياسة الدولية أنك لا تدفع في موقف معين أكثر من الثمن المطلوب، أتمنى أن يقوم خبراء السياسة الروسية بتحليل القرار الروسي لتقييم الخسائر والمكاسب المترتبة عنه، إقليمياً ودولياً على حد سواء. وكان مؤتمر الدوحة الذي عقد يوم السبت الماضي أكثر انسجاماً ووضوحاً، وذلك أمر طبيعي، كونه اقتصر على «أصدقاء سوريا»، أي الدول المتخاصمة مع النظام الحاكم في دمشق. ومن بين الأحد عشر مشاركاً، أعلن تسعة منهم أنهم مع الدعم العسكري للمقاومة السورية، أما الاثنان الآخران فلم يعارضا المبدأ نفسه، ولكنهما أبديا تحفظاً على بعض التفاصيل في هذا الصدد. هل تصبح سوريا إذن أفغانستان أخرى؟ وما هي نتيجة هذه «الأفغنة»، داخلياً وإقليمياً ودولياً؟ ثمة ثلاثة استخلاصات أساسية في هذا الصدد: الاستخلاص الأول: خرج الموضوع حالياً من أيدي السوريين أنفسهم، فإذا كان الصراع لا يزال سورياً فقط بضحاياه، فإن آخر تقرير للأمم المتحدة يذكر أن عدد هؤلاء الضحايا بلغ 93 ألف نسمة، وقد يصل مائة ألف في القريب العاجل، هذا بالطبع إلى جانب المصابين والذين قد تتحول إصابات الكثيرين منهم إعاقات ومعاناة مدى الحياة. ومع تدفق الأسلحة المتقدمة من الخارج، يصبح التدويل تدميراً، بصرف النظر عن الطرف الذي تقع عليه مسؤولية ذلك. الاستخلاص الثاني: مع المساهمة الفعلية لقوات «حزب الله» في المعارك الدائرة على الأرض، وبعد الاشتراك الإيراني متعدد المستويات، اتخذ الصراع السوري بعداً طائفياً آخذاً في التعمق والتوسع داخل الأمة الإسلامية. وقد جاءت تصريحات كل من «نصرالله» و«القرضاوي» لتسكب المزيد من زيت الطائفية على نار الاقتتال الداخلي السوري ولتزيدها اشتعالاً، بقصد أو من دون قصد. والنتيجة لكل ذلك هي أن هذا الاقتتال داخل الأمة الإسلامية يشغلها عن مواجهة خصومها، بل حتى عن القيام بأبسط عمليات التنمية. ولعل بعضنا يتذكر مبدأ مارتن إنديك، سفير الولايات المتحدة السابق لدى إسرائيل أثناء الحرب العراقية الإيرانية، حول «الاحتواء المزدوج»، والذي يعني تغذية المتخاصمين بالسلاح دون السماح لأي منهما بتوجيه الضربة القاضية أو الحاسمة، وذلك حتى يستمر النزيف على الجانبين، ويصلا أخيراً إلى حافة الموت البطيء. هل أصبحت المعركة الكبرى للأمة الإسلامية هي معركة الصراع المذهبي بين السنة والشيعة؟ وهل هناك خطر في إمكانية انتشار هذا الصراع المذهبي إلى بقية أنحاء العالم الإسلامي، وفي القلب منه المنطقة العربية، سواء مصر أو السعودية، بعد العراق وسوريا؟ المؤشرات الأولية تؤكد وجود دفع في هذا الاتجاه المحزن. الاستخلاص الثالث: تعتبر الحالة السورية كاشفة لتعثر «الربيع العربي»، والمعنى المقصود هنا ليس فقط عدم نجاح الاحتجاجات الشعبية وبقاء النظام قائماً، على عكس ما حدث من انهيار النظامين التونسي أو المصري في أيام، بل المقصود هنا أن الحرب الأهلية السورية كاشفة لتعثر «الربيع العربي»، بمعنى أعمق. ولعلنا نتذكر في هذا الخصوص كلام النظرية الاقتصادية عما يسمى التقليد الإيجابي بين الأفراد والشعوب لكي يرتقي كل منهما، مادياً أو سلوكياً. ولكن تعثرات «الربيع العربي» تتمثل في التدهور بدلاً من التنمية، والانقسام بدلاً من الوحدة... ما يبعث برسالة سلبية إلى بعض جموع الشعب السوري الحائرة، مفادها أن بقاء نظام ديكتاتوري قد يكون أفضل من القفز إلى هاوية الفوضى، أو على الأقل إلى مجهول أكثر دماراً. وما الكلام عن وقوع حوادث نهب واغتصاب من جانب مجموعات محسوبة على المعارضة، إلا تدعيماً لهذه المخاوف، والتي قد تدفع البعض إلى «الرضا بالموجود». وهنا يكون مبدأ «التقليد الإيجابي»، وهو مبدأ اقتصادي معروف، قد اكتسب طابعاً سياسياً سلبياً في الحالة السورية، مع مأساوية الصراع الدائر هناك، واحتدامه في أكثر من بُعد، وكونه أصبح كاشفاً لأكثر من جانب مأساوي آخر في حال الأمة الإسلامية؛ من العنف الطائفي المتأجج إلى سيطرة الأجنبي على كثير من ملفاتها وقراراتها الحيوية.