أكتب هذا المقال عقب صدور تصريح الرئيس زوما الذي أعلن فيه أن الأطباء المعالجين للزعيم نيلسون مانديلا قد أخطروه بأن حالته الصحية قد دخلت مرحلة حرجة منذ يوم السبت الماضي، والموت حق على كل البشر ولولاه لما كانت الحياة: «خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا». فمنذ أن أُعلن أن الزعيم الأفريقي قد أدخل المستشفى للمرة الرابعة، توجهت كل أنظار العالم إلى جوهانسبيرج عاصمة جنوب أفريقيا، حيث يرقد في أحد مستشفياتها مانديلا الذي تعتبره شعوب أفريقيا ابناً لها كلها وليس جنوب أفريقيا فقط، رغم الحواجز اللغوية والعرقية والدينية والجغرافية والسياسية التي تفرق بين شعوب القارة. وسيذكر تاريخ أفريقيا المعاصر، ولعقود عديدة، أن هذا الأفريقي النادر قد حظي باحترام وتقدير ومحبة ليس شعبه وشعوب أفريقيا فحسب، بل شعوب وقادة العالم. فلا أظن أن زعيماً أفريقياً شغل العالم في القرن العشرين مثلما فعل مانديلا، وهو في محبسه الذي استمر سبعة وعشرين عاماً، ثم بعد إطلاق سراحه. وسيسجل التاريخ لمانديلا أنه حارب وقاتل هو ورفاقه أبشع نظام فصل عنصري، حيث كانت تتحكم أقلية (10 في المئة من سكان جنوب أفريقيا البيض) في بقية السكان من الأفارقة السود، وكيف أنها قننت ونظّرت لنظام الفصل العنصري (الآبارتايد). وبفضل نضال «حزب المؤتمر الوطني الأفريقي» تحت قيادة مانديلا، انتبه العالم الحر (بل خجل) من بشاعة وقبح ممارسات النظام العنصري في جنوب أفريقيا. وكانت صيحة مانديلا ورفاقه قد أيقظت أفريقيا ودفعت الدول الأفريقية آنذاك لتأسيس منظمة الوحدة الأفريقية، بعد أن انتشرت نار حروب التحرير في القارة. صحيح أن معظم دول العالم قاطعت الحكومة العنصرية في جنوب أفريقيا، وأصبحت قضية الفصل العنصري ومحاربتها قضية عالمية. وسيعيد التاريخ الفضل في ذلك للزعيم مانديلا وحزبه. لقد حارب مانديلا وشعبه قوات النظام العنصري ومخلفات النازية والفاشية من المرتزقة التي استأجرهم النظام. لقد حارب الجنوب أفريقيون ببسالة وشجاعة رغم اختلال موازين القوة بين حركة تحرير وطنية ونظام من أعتى الأنظمة ودولة من أقوى الدول في محيطها ومن أكثرها ثراءً. عندما أدرك النظام العنصري أن الزمن قد تجاوزه، وأن انهياره أصبح وشيكاً، أطلق سراح مانديلا واعترف بحزب المؤتمر الوطني الأفريقي ممثلاً للغالبية من أهل البلاد. وهنا مأثرة مانديلا الذي أكد للعالم أنه ليس فقط محارباً ومقاتلا شجاعاً وذكياً، بل إنه أيضاً كذلك سياسي عظيم ومفكر كبير وإنساني حقيقي. ومثلما حارب نظام الفصل العنصري دفاعاً عن حق شعبه في الحرية والديمقراطية وفي خيرات الوطن، فإنه كان داعية مخلصاً للصلح والتصالح. فعند انتخابه كأول رئيس أفريقي لجنوب أفريقيا حذّر شعبه من الاستسلام لروح الانتقام، وإلا فسيصبح مثل البيض الذين كانوا يرتكبون الجرائم بحقهم. دعا مانديلا للتسامح والاعتراف المتبادل والاحتكام للقانون الذي لا يميز أحداً بسبب لونه أو جنسه. لقد استطاع مانديلا ورفاقه المؤسسون أن يوحدوا الأحزاب السياسية والجماعات العرقية والحركة العمالية الناشئة تحت مظلة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الذي كان ولا يزال في وحدته ضماناً وأماناً لجنوب أفريقيا التي ينظر إليها الأفارقة كنموذج وقدوة. الموت حق علينا جميعاً، لكن الرجال من نوع مانديلا تفنى أجسادهم فيظلون أحياء في عقول شعوبهم والعالم، بما حققوه من خير لأوطانهم وللإنسانية كلها.