موضوع الإصلاح مطروح في كل بلاد العرب من قبل السلطات الحاكمة ومن قبل قوى المجتمع، غير أن النتائج لازالت متواضعة. الإشكالية ليست في النوايا فقط وإنما في الفهم أيضاً . فللإصلاح تعريف ولممارسة الانتقال إلى تحقيقه شروط.
فعندما نتحدث عن إصلاح أوضاع المجتمع فأننا نتحدث عن الانتقال من وضع غير مُرضٍ إلى وضع أفضل منه. ولا يمكن لذلك أن يتمّ إلاّ عبر عملية تحليل ونقد للأوضاع السابقة وذلك من أجل تجاوزها إلى مستويات أفضل وأكثر غنى. في قلب عملية التحليل والنقد تكمن قضية كبرى، هي قضية الحرية . فلكي يكون التحليل والنقد صادقين وموضوعيين فانهما يحتاجان لتوفر الحرية في التعبير والنقاش والكتابة والتواصل مع للآخرين.
هذه بديهية تجد ممانعة من قبل العديد من الأطراف وعلى الأخص من قبل السلطات المهيمنة على المجتمع العربي . والسبب ؟ لأن ممارسة الحرية تثير المشاكل . لكن دعنا في الحال تذكير هؤلاء بقول للأميركي فريدريك دوغلاس من "إن الذين يدٌّعون رغبتهم في ممارسة الحرية ، ولكنهم يرفضون ماتثيره من توتٌّر وهزٍّّّّّّّ للمجتمع ، يشبهون الفلاح الذي يريد الحصول على الحصاد دون ممارسة للجهد المطلوب".
وفي ذات اللحظة دعنا نتذكر بأن تاريخ البشرية قد أظهر دائماً بأن حرية الفكر والنفس لا تستطيع أن تنمو وتتطور دون رسوخ الحرية السياسية. ولما كانت ممارسة النشاط السياسي هي في صلبها ممارسة للكلام فإن ارتباط السياسة الفاعلة وغير المزيفُّّّة بحرية الكلام الفاعل غير المزيف هو ارتباط عضوي لا يمكن الالتفاف من حوله.
دعنا نأخذ مثالاً واحداً من بين الأمثلة الكثيرة في بلاد العرب. فمنذ بضع سنوات مات زعيم بعد حكم طويل ليخلفه زعيم آخر وهو يركب موجة طٌبّل وزٌمّر لها من أنها ستكون موجة الإصلاح الكبرى في ذلك القطر . بعد فترة قصيرة ، وإبّان تحليل الأوضاع السابقة ونقدها ، تجرأ أحدهم بنقد الزعيم الراحل فكانت النتيجة أن دخل الناقد السٍّجن وحٌلًّ حزبه بسبب مسِّه لقداسة أسطورية تعًّودت النخب الحاكمة على بنائها ووضع حيطان منيعة من حولها. ومع أن إحدى تعريفات الحرية السائدة تصفها بأنها ممارسة النشاط المجتمعي ضمن القوانين ، ومع أن قوانين ذلك القطر العربي لا تمنع انتقاد المسؤولين عن الحياة العامة في الماضي والحاضر، إلاًّ أن الحرية نحرت ومعها العملية الإصلاحية برمتها باسم الأوهام وتمثيليات الصبيان. وقديماً قالها جوسيه مارتي في كوبا من أن التعاطف مع الشعوب الحرة ينتهي عندما تبدأ تلك الشعوب بخيانة الحرية . وكان يجب أن يضيف:وكذلك مع الأنظمة السياسية.
إن الحديث عن الإصلاح وعن الانتقال إلى أوضاع ديمقراطية معقولة في بلاد العرب دون فهم عميق لممارسة الحرية، بما في ذلك متطلباتها وشروطها وحدودها ومحدداتها، سيقود إلى أوضاع عبثية منهكة للمجتمع . والمطلوب من السلطات العربية بالذات أن لا تتصرف كتلك المرأة الحمقاء التي أزعجها وأثار غضبها بكاء ابنتها الوليدة فألقت بها في قدر الماء الذي يغلي لإسكاتها. أيتها الحرية كم من آلام المخاض يجب أن يحتمل العرب إلى حين ولادتك.