ليست ظاهرة الطائفية حديثة العهد في تاريخ التحولات التاريخية في العالم خصوصاً لدى الشعوب التي لم تنجز مهماتها التاريخية، كما هو الحال في العالم الثالث. وحين يصل الحديث إلى هذه الأخيرة، فإنما يتعين علينا أن نذكّر بوجود ثمانية عشر طيفاً مجتمعياً تحمل هوياته إثنية ومذهبية وطائفية وقومية، إضافة إلى العشائرية والقبلية، وكذلك الأضلع المتعددة في الطائفة الواحدة. وكما هو معروف في الدراسات الأنثروبولوجية (الإنسية)، فإن مجتمعاً من مثل هذا الذي يوجد في سوريا، يمكن أن يجسد بنية مجتمعية غنية بصيغ تشي بغنى هائل في حياة أولئك الخاصة والعامة. ولكننا نسجل هنا وجهاً آخر للمسألة يمكن أن يحوّل البنية المجتمعية المذكورة كما قدمناها، إلى نقيضها، إن هذا النقيض هو ذاك الذي يشعل ناراً في حقل الهويات المذكورة، ولكن كذلك في المجتمع كله، نفي أيضاً ما تبقى من البنية المجتمعية السورية، بحيث ظهرت إمكانات خطيرة لنشوء حروب طائفية وأخرى أهلية وما يتشظى منهما من ظاهرات تزرع المجتمع بما قد يفككه ويشرذمه، وإذا كانت حالة مثل هذه قد نشأت سابقاً في التاريخ السوري عموماً، وخصوصاً في مرحلة الاستعمار الفرنسي لسوريا، وجرى اقتلاعها مع حرب الاستقلال؛ فقد تمت تصفيتها نهائياً مع مشروع ذلك الأخير، الاستعمار، الذي حاول تحقيقها باسم «سايكس بيكو». وكان هنالك رجال عظماء قد وقفوا في وجه الطائفية المتخلفة، من أمثال يوسف العظمة، وصالح العلي، وسلطان الأطرش، وفارس الخوري، فاستطاعوا سوية مع الشعب السوري قبرها إلى حينها. وبعد ذلك، كانت هنالك محاولات من قبل أفراد لإحياء ذلك الوباء الطائفي، يداً بيد مع الاستعمار الغربي وبعض الطامعين من دول محيطة. وظل الوباء المذكور قاتماً كأنه نار تحت الرماد، إلى أن ظهر المشروع الإيراني وأداته العسكرية الممثلة مع دهشة وأسف عميقين - بـ«حزب الله» اللبناني. فلقد شعر الشعب السوري وشعوب عربية أخرى بأنها أصيبت بخذلان شديد من قِبل من حقق انتصاراً عسكرياً على إسرائيل. والسُّبحة في التاريخ العسكري والسياسي تقوم على أن حباتها لا تحتمل انفصال بعضها عن بعض. ولقد حدث ذلك بمسوّغِ أن مقدسات الشيعة قد انتهكت في أضرحتها ضمن ذلك، كيف هذا وسوريا الأم هي التي تعايشت مع تلك الأخيرة من حيث هي أضرحة من تراثها النبيل، سواء كانوا شيعة أو علويين أو دروزاً أو سنة وغيرهم، إني أعتقد، ومعي الكثيرون هنا في بلدنا السوري، أننا ربما فقدنا الكثيرين من أصدقائنا من أمثال هؤلاء، لأن الحرب القائمة غيبت الكثير منهم، مع إبرازها محظورات ما كان الناس يعيشونها، ولا بد من عودتهم إلى السِّرب الوطني الحميم. والآن، إذا وضعنا يدنا على تلك الظاهرة الظلامية، بما فيها من أخطار تعمّ الجميع ولا تستثني أحداً، فإن الوجه الآخر من هذا المحور «الظلامي به يتجسد في ظاهرة لا تقل خطراً وشؤماً عن تلك الأولى (الطائفية). فإن أوضاعاً من الاضطراب والهذيان العسكري التي يعيشها الوطن السوري والمتمثلة بـ «الثأرية»، كفيلة بتفكيك المجتمع السوري كخطوة أولى، وبتحويله إلى لقمة سائغة أمام مَن يسبق الآخرين لحصْد الهشيم كخطوة ثانية. ومع ذلك، يمكن القول بأن وعياً عقلانياً وطنياً راح يُفصح عن نفسه لدى مجموعات متنامية من المواطنين والمثقفين والمأخوذين بحب سوريا والدفاع عنها. ويلاحظ أن ذلك الوعي يتقدم محذِّراً بأن الثأرية ليست إلا بديلاً عن العدالة والشفافية بالتعامل مع الأزمة؛ ومن ثم، فهي إنْ ظلّت تشعل الشعور بالحقد والكراهية والتأهب «لأخذ الثأر»، فإن الوطن، وطننا السوري سيكون ثمن ذلك كله، وقبل كل شيء أن ابن المطلوب هو العدالة، عبر محاكم وطنية، وبرقابة دولية صارمة! إن التماهي مع الوطن والحكمة العقلانية هو سيد الأشياء والمواقف، وإذ يكون الأمر على هذا النحو، فإن «ثلاثية الوطن والحكمة» لا يمكن أن نضعها وراءنا.