بالتأكيد كان «أراب آيدول» فرصة للتنافس الشريف، ولعل أصوات المشاركين كانت أكثر جودة من لجنة التحكيم ذاتها. وكان وتر الوطنية والحرية طاغياً في اختبارات الأغاني، وأزعم أن اختيار محمد عساف، كان قائماً على كونه فلسطيني القضية العربية التي تقض مضجع الأمة. ولكن أين ستذهب هذه الأموال؟ ولماذا لا توجد أفكار جديدة كاختراعات علمية مثلاً، أو أفكار ابتكارية بالإمكان تطويرها والبحث عن ممولين لها، ودعم الفكر الناهض بالعلم والثقافة. ولأن صوت جميل كمحمد عساف أو المنافس المصري بحاجة إلى عمالقة كعبد الوهاب ومحمد الموجي ليكشفا عن خامات صوتية فخمة تستحق التألق. فالغناء فن يسير جنباً إلى جنب الثقافة والفكر في مناخ عام من الحرية والتشجيع للجودة والأصالة، وبعيداً تماماً عن الإسفاف والضحالة. فعالم الغناء اليوم يكاد يخلو من مطرب أصيل، ومن فكر وكلمات ولحن يدعمان أصوات لها فكرها العروبي المستنهض للهمم، والذي يصب دوماً في إثراء الساحة الفنية وتحويلها إلى مجال رحب يلفظ فيه الغث. والمؤسف أننا أصحاب تقليد صرف، لا نستدعي أفكاراً جديدة تمد عن التكرار الأعمى للآخرين، ولا تعرف أن الأفكار الجديدة عمرها الافتراضي أطول بكثير من الأفكار المعلبة جاهزة الصنع. ليس بالإمكان أن تفصل الفكر والثقافة عن الفن، لكن بالإمكان ترويض الفن وإلغاء الأسوار التي تحول بين الفن وبين حرية الإبداع مهما كانت. فلا أسوأ من سجن الأفكار، ومن مصادرة حق الإنسان الفطري في التعبير عما يجول في خاطره، ولا أسوأ من قاتل كاستبعاد العقول واعتبارها عقول بهائم عليها فقط أن تأكل وتنام. فكلمة «اقرأ» الأمر الإلهي العظيم، جعلت المفتاح الحقيقي هو المعرفة التي لا تأتي إلا في ظل الحرية الجميلة والمناخات المفعمة باحترام الإنسان. فهذا الكم من الأصوات السمجة وعقول بعض الفنانين الفارغة إلا من كيفية جمع الثروات، تعكس حقيقة الوضع الثقافي العربي السائد اليوم، وتكشف أن هذا الإسفاف ما هو إلا انعكاس للسائد. والخوف أنه بعد أيام سينسى هذا المتسابق فنه وإبداعه وتميز صوته، ليتحول إلى جابي أموال لا أقل ولا أكثر. اجتثاث الإسفاف مهم، والأهم هو البذر الآني، الذي لابد وأن ينبت فيه وهو متفانٍ ومتزن، يتعاطى مع كل الأفكار بالتساوي والحوار الناضج هو لغته وأصالة فكرية ملحة. فحتى الفن في حاجة إلى غربلة، وإلى استدعاء لتقويم مساره، والتصديق بدوره الرائد في حضارة الأمم، وله أيضاً دوره المضاد لكل تلك المعاني في حال استمرت حالة المتردي والمتخلي عن أبسط الأخلاق.