أصدر الشيخان «القرضاوي» و«الغنوشي» فتاوى تمنع التظاهر ضد الحكومات «الإسلامية المنتخبة» باعتبار أنها حكومات شرعية صدرت عن انتخابات ديمقراطية، على عكس أنظمة الحكم الأحادية التي كانت قائمة في بلدان «الربيع العربي». فات الشيخان أن يتساءلا: لماذا لم تستطع الانتخابات التعددية التي نظمت في تونس ومصر من احتواء الأزمة الداخلية وتطبيع الوضع السياسي، على الرغم أن مختلف الأطراف المتنافسة اعترفت بنتائجها واعتبرتها شفافة وحرة؟ من السهل التعلل بالتدخل الخارجي وتجريم الطبقة السياسية المناوئة، لكن مما لا شك فيه أن اللحظة الانتخابية التي عرفها البلدان المذكوران لم تحل المأزق السياسي، بل دخلت القوى التي قادت حركية التغيير في صراع شرس أضحى يهدد النسيج الداخلي للبلدان ويحول دون انبثاق أفق اجتماعي وأهلي ملائم للتحول الديمقراطي. لابد من الإشارة هنا إلى أن القصور الأساسي الذي عانت منه هندسة الوضع الانتقالي في بلدان «الربيع العربي»، هو تأجيل الحسم في الرهانات والمقومات الجوهرية للبناء السياسي إلى ما بعد المرحلة الانتخابية التي صممت على عجل، وأريد منها حل المشكل الآني للنظام السياسي الشرعي. والمصادرة التي تم الانطلاق منها هي أن الشرعية الديمقراطية تتلخص في قاعدة اجتماعية دنيا هي المنافسة الحرة بين الفاعلين السياسيين من خلال آلية الانتخاب الإجرائية القادرة بذاتها على إفراز أغلبية لها أحقية الحكم. إن الخطأ في هذه المصادرة هو اجتثاث اللحظة الانتخابية من مسار تشكل الإرادة العامة، واعتبار هذه الإرادة حصيلة ميكانيكية لسباق تحسمه المعادلة الحسابية الصماء. وما يحدث عندئذ هو تحول اللحظة الانتخابية نفسها إلى بؤرة توتر ومرحلة احتقان وتأزم، مما تبدو مؤشراته اليوم بادية للعيان. بالرجوع لتاريخ النظم الديمقراطية الحديثة، نشير هنا مع المفكر السياسي الفرنسي «مارسل غوشيه»، الذي هو أحد أبرز متتبعيها من منظور فلسفي واجتماعي أن الديمقراطية قامت منذ نشأتها على توازنات هشة بين المكونات الثلاثة التي تولدت عنها وهي: السياسة والقانون والتاريخ. السياسة هي الجذر الذي تشكل في فكر «ماكيافيلي» و«جان بودين» في بدايات العصور الحديثة وأساس هذا المفهوم بدلالته المغايرة للتصورات اليونانية- الرومانية، والنظريات اللاهوتية سياسة الوسيطة هو انغلاق المجال البشري المشترك على نفسه وتشكل المجموعة الإنسانية انطلاقاً من مقوماتها الذاتية. القانون بالمفهوم الذي بلوره فلاسفة العقد الاجتماعي في عصور التنوير (هوبز ولوك وروسو) يعني تأكيد أهلية الفرد في ذاتيته وإرادته الحرة مصدراً للتنظيم السياسي ودعامة وحيدة وكافية لشرعيته، من منطلق حقوق الإنسان الطبيعية. التاريخ كما ترجمته فلسفة «هيغل»، هو الوعي بالزمن في حركيته الفاعلة في اتجاهيها الانفصالي عن الماضي - المصدر والمستقبل – الأفق، مما انبثق عنه مفهوم «المجتمع المدني»، المستقل عن الدولة والمتشكل عبر مسار تاريخي طويل. وما يبينه «مارسل غوشيه » هو أن العلاقة بين هذه المكونات الثلاثة التي لا محيد عنها في أي بناء ديمقراطي، ليست بديهية ولا تلقائية، بل إنها تقوم على توتر داخلي قوي، بين مبدأ الدولة ومدونة حقوق الإنسان، بين المجتمع المدني والدولة، بين القانون في معياريته والممارسة الإجرائية السياسية، بين سيادة الدولة المطلقة وعقلانية أساسها القانوني... ويرى غوشيه أن التناغم بين هذه المكونات المتنافرة الذي يصفه بالمعجزة كان حصيلة موقف إيماني قوامه العقيدة الليبرالية الحديثة في «أصنامها» الثلاثة التي هي: التقدم والشعب والعلم. التقدم إيمان قبلي بفاعلية وغائية حركة التاريخ، والشعب اعتقاد بانسجام وتجانس الكل الاجتماعي بشكل عضوي وتلقائي، والعلم هو الذي عوض مفهوم الحقيقة بدلالته الميتافيزيقية وأصبح هو إطار المعقولية والمسلك للموضوعية المحايدة. وإذا كانت أسس العقيدة الليبرالية تشهد في أيامنا أزمة نظرية عميقة تركت آثارها في الفكر السياسي الغربي، مما لا مجال للتعرض له هنا، فإن موضوع استنباتها وتبيئتها في الحقل السياسي العربي لا يمكن تجاهله في المرحلة الحالية التي تشهد إعادة بناء وتصور المرجعيات الناظمة للبناء السياسي. في هذا الباب، نلاحظ بوضوح أن المناظرة السياسية الغربية تتمحور حول هذه الإشكالات الأيديولوجية التي تتجه في الغالب نحو مسلكين رئيسيين هما: منزلة الدين في الشأن العمومي والعلاقة بين المجموعة السياسية (التعاقدية المبنية على الهوية القانونية والدستورية المبنية) والمجموعة العضوية (الهويات القبلية والقومية والدينية). ما نريد أن نبينه هو أن هذا النقاش الفكري - الأيديولوجي غير قابل للحسم في آليات المنافسة السياسية الحرة، بل لا بد أن يمر ويسير من داخل المجال التداولي للنقاش العمومي الحر. فإذا كانت الديمقراطية في أحد جوانبها الأساسية مسألة تنظيم إجرائي وممارسة ضبط (ذلك جانب مما اعتبره ماكس فيبر مقوم الشرعية العقلانية للدولة الحديثة)، فإنها في جانب محوري آخر من جوانبها ممارسة إدماجية تتم داخل حقل عمومي تعددي. كانت الفيلسوفة الألمانية - الأميركية «حنة آرنت»، قد بينت في أعمالها الرائدة في الفكر السياسي المعاصر أن ما يميز السياسة، هو أنها المجال العمومي للمواطنة، الذي يكرس تعددية الآراء وحقوق المشاركة المفتوحة في القرار العمومي، مما لا يتوافر بالكامل في مجتمعات غابت فيها القسمة بين العمومي والخصوصي، والعمل بمفهومه النظري والتأملي والشغل بمفهومه المادي الإنتاجي. ولا شك أن المطلب الأساسي اليوم المطروح في الساحات العربية التي تشهد مصاعب التحول الانتقالي إلى الديمقراطية التعددية المستقرة، هو استعادة زمام المبادرة السياسية، بمعنى النظر إلى التحديات والرهانات القائمة من المنظور السياسي بما هو مجال إبداع الرباط العمومي في مجتمع متنوع. لا يمكن لآليات التنظيم والانتخاب التي تكرس الأبعاد الإجرائية في الممارسة الديمقراطية أن تسد ثغرات الفعل السياسي، ولا يمكن اختزال السياسة في البنيات القانونية والنظم المؤسسية، حتى ولو كانت وسائط لا غنى عنها في أي ممارسة ديمقراطية.