تعرّف منظمة الصحة العالمية العنف بأنه: «الاستخدام المتعمد للقوة بجميع أشكالها، سواء كمجرد تهديد، أو كتنفيذ فعلي، ضد شخص ما، أو مجموعة من الأشخاص، أو مجتمع برمته، مما ينتج عنه، أو يحتمل بشكل كبير، أن يؤدي إلى إصابة، أو وفاة، أو أذى نفسي، أو حرمان وتجريد، أو إعاقة للتطور بجميع أشكاله». وينظر أفراد المجتمع الطبي للعنف على أنه أحد أهم قضايا الصحة العامة، على جميع المستويات؛ المحلية، والإقليمية، والدولية، حيث تشير الإحصائيات إلى أن العنف يتسبب في وفاة 1,5 مليون شخص سنوياً، 50 في المئة منهم بسبب الانتحار وهو أحد أكبر وأخطر مظاهر العنف الذاتي، و35 في المئة آخرون بسبب جرائم القتل، بالإضافة إلى 12 في المئة كنتيجة مباشرة للحروب والصراعات المسلحة. وكما يعتبر العنف في شكله العام من أهم قضايا الصحة العامة، يعتبر أيضاً العنف -الجسدي أو الجنسي- الموجه ضد النساء من أهم القضايا الصحية التي تواجه هذه الفئة من أفراد المجتمع، وهو ما أكده تقرير صدر مؤخراً عن منظمة الصحة العالمية، بالتعاون مع إحدى الجامعات البريطانية العريقة (London School of Hygiene & Tropical Medicine)، ومجلس الأبحاث الطبية في جنوب أفريقيا. ويبحث هذا التقرير الذي يحمل عنوان «التقديرات الدولية والإقليمية للعنف ضد النساء»، في مدى الانتشار، والتبعات الصحية للعنف الجسدي الصادر عن الأزواج والشركاء، وللعنف الجنسي الصادر عن الغرباء، وهو ما يمثل أول مراجعة منهجية للبيانات الدولية لنطاق ومدى جميع أنواع العنف وأشكاله ضد النساء. ويظهر التقرير أن 35 في المئة من نساء العالم سيتعرضن للعنف في إحدى مراحل حياتهن، سواء من الأزواج والشركاء، أو من الغرباء، وإن كان الأزواج والشركاء هم المسؤولون عن السواد الأعظم، حيث يتعرض 30 في المئة من نساء العالم لهذا النوع من العنف، بينما يعتبر العنف الصادر من الغرباء مسؤولاً عن 5 في المئة فقط. وتتعدد وتتنوع التبعات الصحية للعنف، الجسدية والنفسية، ضد النساء والفتيات، مثل كسور العظام، والحمل غير المرغوب فيه، والاضطرابات النفسية والمشاكل العقلية، بالإضافة إلى ضعف وتدهور قدرة الضحية على الاندماج والمشاركة الفاعلة في المجتمع. فبخلاف التبعات الجسدية والنفسية السلبية للتعرض للعنف، يمكن للعنف أن يعيق التطور الاقتصادي والاجتماعي للشخص، ويؤثر سلباً على قدرته على التواصل مع الآخرين والقيام بدوره في المجتمع بشكل كامل. ويمكن تلخيص أهم التبعات الصحية الناتجة عن العنف ضد النساء في الآتي: 1- الإصابات والوفيات، حيث تظهر الدراسات أن 38 في المئة من النساء اللواتي يقتلن كل عام، تقع جريمة قتلهن على أيدي أزواجهن أو شركائهن. كما أن 42 في المئة من اللواتي يتعرضن للعنف الجسدي أو الجنسي على أيدي أزواجهن أو شركائهن، يصبن أيضاً إصابات بدنية، كثيراً ما تكون إصابات خطيرة. 2- الاكتئاب، يعتبر العنف الصادر عن الأزواج والشركاء، أحد أهم الأسباب خلف الاضطرابات العقلية التي تصيب النساء، حيث تظهر الإحصائيات أن النساء اللواتي تعرضن للعنف من الأزواج، هن أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب، وبمقدار الضعف، مقارنة بالنساء اللاتي لم يتعرضن للعنف. 3- إدمان الكحوليات، وكما هو الحال مع الاكتئاب، ينتشر إدمان الكحوليات بمقدار الضعف بين النساء اللواتي تعرضن أو يتعرضن للعنف من الأزواج والشركاء، مقارنة بالنساء اللاتي لم ولا يتعرضن للعنف. 4- الأمراض الجنسية، تزداد نسبة انتشار الأمراض الجنسية، مثل السيلان، والزهري، والعدوى بالكلاميديا، بين النساء اللواتي يتعرضن للعنف البدني أو الجنسي من الأزواج والشركاء، وبمقدار مرة ونصف. وفي بعض المناطق، وخصوصاً دول أفريقيا جنوب الصحراء، تزداد معدلات الإصابة بالفيروس المسبب لمرض الأيدز بنفس ذلك المقدار بين هؤلاء النساء. 5- الحمل غير المرغوب فيه والإجهاض، فكثيراً ما يؤدي العنف الجنسي، سواء من الأزواج والشركاء أو من الغرباء، إلى حمل غير مرغوب فيه، وفي كثير من هذه الحالات يكون الإجهاض هو مصير الجنين غير المرغوب فيه. حيث تظهر الدراسات أن النساء اللواتي تعرضن للعنف الجنسي أو الجسدي، يقمن بإجهاض أجنتهن بمعدلات أكثر من الضعف، مقارنة بالنساء اللواتي لم يتعرضن للعنف. 6- انخفاض وزن المولود، لسبب غير معروف أو مفهوم، تلد النساء اللواتي تعرضن للعنف، أطفالاً ناقصي الوزن، تحت المعدلات الطبيعية، وبمعدلات أعلى بنسبة 16 في المئة، مقارنة بالنساء اللاتي لم يتعرضن للعنف. وأمام هذه التبعات الصحية الخطيرة، وبالنظر إلى العدد الهائل من قتلى العنف سنوياً، وبالإضافة إلى أن لكل حالة وفاة من جراء العنف بجميع أنواعه، يقدر أيضاً وقوع عشرات الإصابات، التي تتطلب خطورتها وحدّتها حجز المصابين في المستشفيات، بالإضافة إلى مئات الزيارات لأقسام الطوارئ بالمستشفيات، والآلاف من زيارات الأطباء لاحقاً لمتابعة وعلاج آثار العنف طويلة المدى، ليس من الصعب إدراك فداحة الثمن الإنساني والاقتصادي للعنف بجميع أشكاله، ومن جميع مصادره، وخصوصاً ضد الفئات الأضعف بدنياً من أفراد المجتمع، أي النساء والفتيات والأطفال.