تعتبر الشيخوخة جزءا مهما من تركيب المجتمع البشري، حيث تظهر معها التغيرات البيولوجية الحتمية التي تصيب أفراد هذا المجتمع مع التقدم في السن، بالإضافة إلى أنها تعكس الكثير من المفاهيم والمبادئ الاجتماعية التي يتعامل بها المجتمع مع أفراده عند دخولهم مرحلة ربيع العمر. وبوجه عام تعرف الشيخوخة بأنها عملية التقدم في السن، والذي يقاس -ارتجاليا إلى حد ما- بالسنوات والأعوام، وهو ما يجعل من تاريخ ميلاد الشخص رقما مهما في مكانته ووظيفته الاجتماعية. وللشيخوخة جوانب كثيرة، منها البيولوجي الحيوي ومنها الاجتماعي الثقافي والاقتصادي. أحد مظاهر الجانب الاجتماعي الثقافي للشيخوخة في المجتمعات المعاصرة، هو الضغط الاجتماعي الحالي لإخفاء مظاهر الشيخوخة بأساليب مختلفة، وخصوصا بين النساء، مثل صبغ الشعر واستخدام مساحيق ومواد التجميل بكثافة، وأحيانا حتى اللجوء إلى الجراحات التجميلية. هذا في الوقت الذي يسعى فيه أحيانا أفراد المجتمع صغار السن، إلى الظهور بمظهر اكبر من سنهم، وأحيانا الترحيب ببدء ظهور بعض علامات الشيخوخة الأولية، لما تحمله من دلالات على حنكتهم وخبرتهم، وما يتبع ذلك من زيادة فرصهم في التقدم والتطور المهني والاجتماعي، وأحيانا حتى تطور مستقبلهم السياسي. وبالإضافة للجوانب الاجتماعية الكثيرة للشيخوخة، تتعدد أيضا الجوانب والمظاهر الاقتصادية المصاحبة للتقدم في السن، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بشريحة كبيرة من المجتمع. فمثلا أصبحت ظاهرة شيخوخة المجتمعات (ageing societies)، والتي هي عبارة عن زيادة المتوسط العام لأعمار أفراد مجتمعا ما، من أهم القضايا التي تؤرق صناع القرار السياسي الاقتصادي ومخططي المستقبل، وخصوصا في المجتمعات الغربية. فأفراد المجتمع صغار السن رغم أنهم يرتكبون الجزء الأكبر من الجرائم مثلا ويحتاجون لميزانيات هائلة للتعليم، إلا أنهم يشكلون قوة دافقة تدفع بالمجتمع نحو التغير والتطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ويمتلكون القدرة على استيعاب التقنيات الحديثة وتطورات العلم والعلوم بشكل أسهل. هذا في الوقت الذي نجد فيه كبار السن يميلون بشكل أكبر إلى التيارات المحافظة ثقافيا وسياسيا، مع زيادة احتياجاتهم من الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي، مقارنة بالتعليم مثلا الذي تزداد احتياجات صغار السن منه.
كل تلك الجوانب وغيرها الكثير، جعلت من عملية تقدم أفراد المجتمع البشري في السن، قوة لا يستهان بها في تشكيل ديناميكيات وتفاعلات المجتمع كفكرة إنسانية اعتمدت عليها الحضارة البشرية خلال مراحل تطورها المختلفة. ويحمل أيضا تقدم الإنسان في السن العديد من المظاهر البيولوجية الصحية، لدرجة دفعت البعض للتمييز بين الشيخوخة بمظاهرها الاقتصادية الاجتماعية السياسة (Ageing)، وبين المظاهر الصحية للتقدم في السن والتي أصبح يطلق عليها (Senescence) أو الهرم. وعلى صعيد الطب والعلاج انقسم أيضا العلم الذي يتعامل مع الشيخوخة ومظاهرها إلى قسمين. القسم الأول والمنتمي إلى مدرسة الطب التقليدي، يعرف طب الشيخوخة (Geriatric Medicine)، على أنه التخصص المعني بعلاج الأمراض الناتجة عن الشيخوخة، مثل آلام المفاصل وعته الشيخوخة ومرض الزهايمر وغيرها من الأمراض التي تصاحبنا في مرحلة الكهولة. أما القسم الثاني في طب الشيخوخة، أو بالأحرى مكافحة الشيخوخة (Anti-Aging Medicine)، فيعنى بدراسة العملية الفسيولوجية التي تدفع بأجسادنا تجاه الشيخوخة، مع البحث عن الطرق والوسائل التي يمكن أن تبطئ من هذه العلمية أو توقفها تماما. وبغض النظر عن التعريفات ومن خلال المنظور الطبي البحت، يمكن تعريف الشيخوخة على أنها تدهور قدرة الكائن الحي على الاستجابة للضغوطات البيئية والحيوية، مع اختلال التوازن الحيوي الداخلي (Homeostasis)، وزيادة القابلية للإصابة بالأمراض والعلل. هذا العوامل مجتمعة تجعل من الوفاة والموت، نتيجة حتمية للتغيرات البيولوجية المصاحبة للشيخوخة. أما في المعامل فتظهر شيخوخة الخلايا، من خلال تناقص قدرتها على الانقسام والتجديد، وهو ما يراه البعض السبب المباشر لشيخوخة الكائن الحي بجميع أنسجته وأعضائه.
وبوجه عام تعتبر عملية التشيخ -الإصابة بالشيخوخة- على مستوى الخلية أو الكائن ككل، عملية بالغة التعقيد لا زالت مستعصية الفهم على العلماء إلى حد كبير. ويعود السبب في ذلك إلى أن الشيخوخة تحدث من جراء ميكانيزمات حيوية مختلفة ومتشابكة مع بعضها البعض، وتنتج من عدة أسباب متنوعة ومتباينة في نفس الوقت. هذا على الرغم من أن الشيخوخة عملية حيوية شبه عامة، تحدث بين معظم الكائنات الحية. وإن كانت تلك الحقيقة لا تفسر التباين الواضح في متوسط العمر بين الأجناس المختلفة، وحتى داخل أفراد الجنس الواحد. وهو ما يشير إلى وجود عوامل وراثية جينية تختلط وتتأثر بشكل ما بالظروف البيئية، في تحديد كيفية وبداية ووتيرة الإصابة بالشيخوخة. ويمكن تقسيم النظريات التي تحاول تفسير كيفية عمل كل تلك العوامل معا إلى قسمين: الأول أو نظريات البر