عندما أسمع التقارير التي تتحدث عن صحة مانديلا المتدهورة، لا أستطيع منع التفكير في كيف سيكون العالم مختلفاً لو تمكنا من استنساخ الزعيم الجنوب أفريقي، وهو سؤال تلهج به أيضاً ألسنة العديد من المسؤولين في البلدان الرازحة تحت العنف، أو تلك التي تعاني الحرب والدمار، فقد سمعت العديد منهم يتحسرون «لو فقط كان لدينا قائد من قماشة مانديلا». هذا الرجل الذي أذهل العالم تكمن عبقريته أساساً في قدرته على العفو عن أعدائه ومسامحتهم، فضلا عن الكاريزما الآسرة التي يتمتع بها وأقنعت مواطنيه السود بالسير في طريقه والامتناع عن الانتقام، كما أقنعت أيضاً مواطنيه البيض بأنه جاد فيما يقول وصادق في تطميناته. ويبدو أن شموخه الروحي نادر في وقتنا هذا، حيث الحروب تمزق سوريا والاضطرابات تعصف بالعراق، إلى درجة يظهر وكأن الأمر محصور في مانديلا، ذلك أنه في الثقافات القبلية يُنظر إلى العفو والتعالي عن الانتقام على أنه نوع من الضعف الذي لا يصح الظهور به. وغالباً ما يتم الخلط بين تحقيق العدالة والقصاص والسعي لإطفاء نار بالانتقام، وهو ما يقود في النهاية إلى عواقب وخيمة مثل المجازر والحروب الأهلية، ولعل أبرز مثال على ذلك ما حصل في رواندا من مجازر وإبادة جماعية بين أفراد قبيلتي الهوتو والتوتسي، الذين كادوا أن يفنوا بعضهما بعضاً بعدما قارب عدد الضحايا المليون قتيل. لكن ما قام به مانديلا بعد خروجه من السجن وتفضيله الصفح على العقاب، وهو كان القائد الذي فاوض على المرحلة الانتقالية التي نقلت السلطة من الأقلية البيضاء المتحكمة إلى الأغلبية السوداء المضطهدة، لم يكن نوعاً من الملائكية. ففي صلب فكرة مانديلا عن العفو كانت تكمن استراتيجية سياسية واضحة طورها طيلة سنوات المعتقل، وهي الاستراتيجية التي جنبت جنوب أفريقيا الفوضى والعنف وربما سنوات من الحرب الأهلية، وبالطبع كان مانديلا محورياً في إنجاح خطة الانتقال السلمي للسلطة، وقد أتيحت لي فرصة الحديث إلى الزعيم الأفريقي حول استراتيجيته تلك في عام 2000 بجوهانسبرج عندما استقبل عدداً من الزوار أتوا من جميع أنحاء العالم للاستماع إليه. ففي تلك الفترة لم يكن مانديلا تجاوز 81 سنة، حيث أوضح فكرته عن البراجماتية التي دفعته لنبذ العنف والتفكير بدلاً من ذلك في حل مشكلات البلد والنظر إلى المستقبل، قائلا «لم يكن أمام قيادة حزب المؤتمر الأفريقي التي كانت إما في المعتقل، أو في المنفى، أو متخفية، سوى اختصار الوقت والذهاب نحو المصالحة لأنه لم يكن أمامنا الكثير من الوقت»، وأضاف مانديلا أن القيادة «كانت تعرف بأنها فرصة واحدة في الحياة يتعين اقتناصها وعدم تضييع الوقت في الصراعات، لذا قررنا تجنب الفوضى والحرب الدموية وأذهلنا بذلك العالم، وقد تمكنا خلال الفترة المفاوضات مع القيادات الحزبية الحسم بين المشاعر من جهة ولغة العقل من جهة أخرى». --------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي. إنترناشونال»