حينما كنا في مرحلة الدراسات العليا في جامعة بوسطن، كان ضمن ما تعلمناه، أن لكل رئيس أميركي معاصر عقيدة سياسية يؤطر فيها سياساته الخارجية، جاعلًا منها خريطة طريق لإدارته. وهكذا علمونا «عقيدة ترومان»، التي تأثرت بنتائج الحرب الكونية الثانية وظهور الثنائية القطبية، فجاءت تقول بضرورة تقديم الدعمين المادي والعسكري للدول والحركات، التي تقاوم انتشار المد الشيوعي في جنوب أوروبا وشرق المتوسط، خصوصاً تركيا واليونان. وعلمونا «عقيدة أيزنهاور» التي اشتملت على ملء الفراغ الناجم عن هزيمة بريطانيا وفرنسا في العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956 مع العمل على تقليص نفوذ عبدالناصر الذي كانت زعامته الطاغية تهدد المصالح الأميركية في الشرق الأوسط والخليج بفعل ما كانت الناصرية تحيكه ضد ما سمي بـ «الأنظمة الرجعية» العربية. ثم علمونا «عقيدة كيندي» التي كانت ترجمة حديثة لمبادئ الرئيس الأميركي الأسبق «مونرو» حول حقوق الإنسان والديمقراطية والتعددية. ولأن كينيدي جاء في فترة انفجرت فيها أزمة «خليج الخنازير»، فإنه ضمـّن عقيدته دعم الأنظمة التي تتعهد بإجراء انتخابات ديمقراطية في الحديقة الخلفية لبلده (أميركا اللاتينية)، وذلك تفادياً لتسرب النفوذ الشيوعي واليساري إليها. وقد وصفت جماعات حقوق الإنسان والدمقرطة وقتذاك «عقيدة كينيدي» بأنها انقلاب ثوري في التوجهات الخارجية لواشنطن، لأن الأخيرة كانت قبل ذلك تدافع عن الحكومات اللاتينية، التي تصل إلى السلطة في بلدانها على ظهر الدبابات. وباغتيال كينيدي ومجيء «جونسون»، أسدل الأخير الستار على عقيدة سلفه واستبدلها بـ«عقيدة جونسون»، التي قالت بضرورة دعم واشنطن لأي حكومة لاتينية، بغض النظر عن شكلها وطريقة وصولها إلى السلطة، طالما أنها تحمي المصالح الأميركية. وحينما دخل «نيكسون» البيت الأبيض، وكانت الحرب الفيتنامية في ذروتها، ظهرت «عقيدة نيكسون» التي صاغها المستشار الأشهر لشؤون الأمن القومي ووزير الخارجية لاحقاً «هنري كيسنجر»، وجاء فيها تعهد واشنطن بالدفاع عن حليفاتها في جنوب شرق آسيا وفق المعاهدات المبرمة، بما في ذلك نشر المظلة النووية الأميركية إذا تعرضت الدول الحليفة لتهديد نووي خارجي. أما «جيرالد فورد» الذي جاء لفترة انتقالية على إثر استقالة نيكسون المدوية بسبب فضيحة «ووترجيت»، فلم يتح له الوقت لتشكيل عقيدته السياسية الخاصة، وإنما سار على نهج سلفه مع تحلله من الكثير من التزاماته بعدما خرجت بلاده مهزومة من الحرب الفيتنامية، وتحسنت علاقاتها مع الصين الماوية. ثم جاء الرئيس الضعيف «جيمي كارتر» في وقت كان فيه أهم الأنظمة الحليفة لواشنطن في الشرق الأوسط، أي نظام الشاه في إيران يواجه أسوأ تحد داخلي له منذ انقلاب محمد مصدق في الخمسينيات. فكان أن صاغ «كارتر» عقيدة تقوم على المبادئ الأخلاقية في عالم السياسة الذي لا يعترف بالأخلاقيات. ورغم أن الرجل أطلق تحذيرات بأن بلاده ستدافع وتقف مع حلفائها الاستراتيجيين لمواجهة ما يعترضهم من تحديات، فإنه سرعان ما ثبت أن تلك التعهدات لم تكن سوى فقاعات صابون، وذلك حينما تخلى عن نظام الشاه وسمح بقيام نظام ثيوقراطي مكانه، وهو النظام الذي ما برح العالم أجمع يشتكي منذ عام 1979 من مؤامراته وممارساته العبثية. ثم جاءت «عقيدة بوش» الأب على وقع الغزو العراقي للكويت في عام 1990، وانهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية بالتزامن تقريباً فاشتملت على لغة حاسمة وقوية بضرورة الدفاع عن الدول الحليفة في الخليج بالقوة العسكرية، وذلك في مشهد معاكس لعقائد أسلافه من الرؤساء الأميركيين «الديمقراطيين». وقد أقرن بوش الأب القول بالفعل حينما نجح في تشكيل تحالف دولي واسع لإخراج العراق من الكويت ومنع تهديداته لدول الخليج الأخرى. أما «كلينتون» الذي خلف بوش الأب، فقد كان متأثراً بنجومية وشعبية كينيدي من جهة، ومستاء من جهة أخرى من أوصاف الضعف والتخاذل التي ألصقت بكارتر المنتمي إلى الحزب نفسه، فحاول أن يصيغ عقيدته بطريقة تجمع ما بين النقيضين. حيث استعار فيها شعارات «كارتر» حول حقوق الإنسان والدمقرطة والحكم الرشيد، وتجنب اللين والتخاذل بإرسال طائراته لقصف عراق صدام والتدخل العسكري في حرب البوسنة والهرسك. وهكذا نجد أن عقائد الزعماء الأميركيين لئن تأثرت كثيراً بالأوضاع السياسية المعاصرة لهم، فإنها وقعت في تناقضات، ولم تشتمل على مبادئ راسخة، حيث رأينا كيف تنصل بعضهم بسهولة مما أرساه سلفه. أما سؤالنا المحوري، فهو هل لأوباما عقيدة سياسية؟ وإذا كان الجواب بنعم فماهي مضامينها؟ يبدو الرئيس الأميركي الأول من ذوي الأصول الأفريقية حائراً لا يدري ما يريد، فهو متردد وسياساته متقلبة بحيث صار مصدراً للتندر، بدليل أنه غير موقف بلاده من أحداث مصر أربع مرات في غضون أسبوع. وفعل الشيء ذاته حيال الثورة السورية. فتارة يقول إن كل الخيارات مطروحة أمامه، ويكرر نفس المقولة حيال الملف النووي الإيراني وعبث قادة بيونج يانج. وتارة أخرى يقول إنه سيزود الثوار السوريين بالسلاح ليتراجع بعد قليل ويبدي تخوفه من وقوعه في أيدي الجماعات الجهادية. وتارة ثالثة يشترط توريد السلاح للمقاتلين بما سيتمخض عنه مفاوضات جنيف 2 . وتارة رابعة يؤكد استخدام دمشق للسلاح الكيماوي ضد معارضيه ليتراجع بعد سويعات ليقول:«إننا بحاجة إلى دليل دامغ»، وحتى بعدما حزم أمره مؤخراً وأعلن أنه سيزود المقاتلين السوريين بالسلاح، فإنه استدرك ليعلن أنه لن يزودهم بصواريخ أرض – جو! هذه الحيرة وهذا التخبط، الذي لا يليق بزعيم القوة العظمى الوحيدة في العالم دفع أحد أعمدة حزبه الكبار وهو «كلينتون» إلى القول علنا: «أوباما رئيس هاو وغير كفؤ»، مضيفاً أنه لم يسانده إلا لأنه وعد زوجته هيلاري بحقيبة الخارجية. وعليه يمكننا من وحي ما صدر عن أوباما وأركان إدارته أن نقول إن «عقيدته حينما تدرس لأجيال قادمة سوف تشتمل على: التردد والتخبط حيال القضايا الدولية، والتدخل في شؤون الدول الحليفة بقصد إسقاط أنظمتها وتقسيمها إلى كانتونات طائفية وعرقية عبر تدريب وتأهيل الجماعات والمنظمات الفوضوية العاملة تحت شعارات حقوق الإنسان والدمقرطة. التخلي عن الأنظمة الشرعية الحليفة والمراهنة على الجماعات المعادية لها كحركة «الإخوان المسلمين» مثلاً. وتحويل البوصلة الأميركية من الشرق الأوسط إلى الشرق الأقصى لمحاصرة الصين.