قدمت أعمال الشغب في لندن عام 2011 دليلاً لا نزاع فيه لنقاد الحضارة الغربية، في وجود أزمة أخلاقية عميقة في المجتمعات الغربية. وكتب جاكوب أوغسطين في مجلة «دير شبيجل» الألمانية يقول: «لقد أضرت أعمال الشغب في لندن بصورة الغرب الاجتماعية بقدر ما أضرت كارثة فوكوشيما بمفهوم الطاقة النووية، إذ بدأت هذه الحوادث بطريقة عفوية جداً، لكن لم يتوقع أحد أن تتحول إلى كارثة كبرى: نحن أمام انحطاط أخلاقي حاد! وأضاف الكاتب مندداً بتلك الأحداث، «تشكل مشاهد أعمال الشغب في لندن لمحة مسبقة عن مستقبلنا. كان الطالب الماليزي «أسيراف حازق» مرمياً على الأرض وهو ينزف، فاقترب منه رجل لمساعدته، ولكنه عاد ليساعد ثلاثة أشخاص آخرين لسرقة حقيبة الرجل الضعيف، ثم تركوه وحده في الشارع ... لقد انهارت المبادئ الإنسانية ووصلت إلى الحضيض ... حين يكون المجتمع مفككاً يتفكك الشعب أيضاً، ومن دون الصفات الأخلاقية، لا يختلف الإنسان عن الحيوان!» وأثار «تيودور دالريمبل» في صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية قضية في حقوق كبار السن لم يعد يعتبرها أحد من حقوق الإنسان! يقول: «لطالما فرض شباب بريطانيا نوعاً من حظر التجول على كبار السن الذين ما عادوا يجرأون على التفكير بالتجول في الظلام. منذ فترة قصيرة، ألقيتُ محاضرة في إحدى المدارس في بلدة مدهشة فيها سوق تجارية في قلب الريف - في بريطانيا، لكن حين حل مساء يوم الجمعة، حجز السكان أنفسهم داخل منازلهم للاحتماء من غزو الهمجيين. وكتب «كريك شريدان» ينتقد في صحيفة أسترالية مجتمعات الغرب في ضوء أحداث الشغب البريطانية. فـ «بعد الفوضى العارمة التي ضربت أثينا وحوادث حرق السيارات بأعداد هائلة في باريس سابقاً، ها نحن نشهد الآن أعمال عنف رهيبة وسخيفة وغير مبررة في لندن وعدد آخر من المدن البريطانية». واعتبر الكاتب الصحفي هذه الوقائع ذات دلالة حضارية مهمة. فـ «في كل زاوية من أوروبا الغربية، نجد حكومات مفلسة أو توشك على الإفلاس، إذ تعيش هذه البلدان بمستوى يفوق إمكانياتها، وتعجز أو لا تريد إخبار الناس بحقيقة وضعها المالي. منذ إرساء الاستقرار في المجتمعات الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، لم يسبق أن بدت أوروبا منهكة وعاجزة لهذه الدرجة وكأنها توشك على الانهيار، ومع ذلك لا تزال تلقي المحاضرات على مسامع العالم عن كل شيء». هل الشباب الأوروبي، وبخاصة الذين قاموا بـ «أعمال عنف رهيبة وغير مبررة في لندن وعدد آخر من المدن البريطانية»، بحاجة اليوم إلى الدين والإرشاد الروحي؟ يقول شريدان: «قد تكون أوروبا الغربية أقل مجتمع متدين في العالم، فقد أُضعفت الديانة المسيحية في بريطانيا ومعظم أنحاء أوروبا، مما يعني أنها أصبحت عرضة للإهانة والسخرية. قد يحتفل الفكر العلماني بالوضع القائم في هذا الزمن الذي يتجاوز أحكام الدين في أوروبا وتحديداً في بريطانيا، لكن كيف يمكن أن يصبح الشباب متماسكاً وموحَّداً وسعيداً إذا كان عاطلاً عن العمل ولا يستند إلى أي تقاليد أو أسس تربوية معينة، وإذا كان يملك أموالاً كافية نسبياً لكن من دون تطلعات كثيرة ولا ركيزة أخلاقية ولا من يساعده على التمييز بين الخطأ والصواب، وإذا كان لم يتعلم كيفية التحكم بانفعالاته، ولا يعرف شيئاً عن تاريخ بريطانيا عدا واقع أن هذا البلد كان مخزياً وعنصرياً ويميز بين الرجل والمرأة؟ ما الذي يمنع هذا الشاب من الاستمتاع بحياته؟ وما الذي يدفعه إلى مهاجمة العاملين في سيارات الإسعاف وسرقة أجهزة التلفزة؟». ويتساءل كاتب هولندي معروف «أيان بوروما»، وهو من أم إنجليزية، «هل تحتاج أوروبا إلى بريطانيا»؟ ويقول: «كم من الأوروبيين يريدون أن تبقى بريطانيا جزءاً من الاتحاد الأوروبي؟ ويجيب أن أوروبا منقسمة حول هذه المسألة! «فلطالما رغبت الدول الشمالية الصغيرة، مثل هولندا، في بقاء بريطانيا جزءاً من الاتحاد الأوروبي، فمن دون بريطانيا، ستفرض فرنسا أو ربما ألمانيا هيمنتها على تلك الدول. لكن ألمانيا بحد ذاتها تفضل عدم خسارة شريكها البريطاني كي لا تضطر إلى مواجهة دول البحر المتوسط وحدها، فما زالت الثقافة تؤدي دوراً كبيراً في أوروبا، ويملك الألمان الكثير من القواسم المشتركة مع البريطانيين، على الأقل أكثر مما يجمعهم مع اليونانيين أو حتى الإيطاليين. ويختلف الوضع في فرنسا، فقد أظهر استطلاع للرأي أُجري أخيراً أن 54 في المئة من الفرنسيين يفضلون انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، ولم تحظ بريطانيا يوماً بشعبية كبيرة في فرنسا، وأعاق الرئيس الفرنسي شارل ديجول مرتين دخول بريطانيا إلى السوق الأوروبية المشتركة. في عام 1930، قال «تشرشل» عن بلده: «نحن مع أوروبا، إلا أننا لسنا منها». ويوافقه بريطانيون كثر الرأي حتى اليوم. «ولطالما كنت من محبي أوروبا»... يكتب الاقتصادي الأميركي «كلايد بريستوويتز»، في مقال بمجلة «فورين أفيرز» المعروفة. ويضيف شارحاً، «كان والدي يعمل في شركة بلجيكية وكنت طالباً في مدرسة ثانوية في سويسرا في عام 1958. كنت أؤمن بقيام أوروبا المتحدة، ورحبت بإنشاء «اليورو» كخطوة كبرى ضمن المشروع نفسه. لكني كنت مخطئاً، وسط خيبة أمل كبرى، أدركت أخيراً عدم وجود أي حلم أوروبي لأن الأشخاص الذين نسميهم أوروبيين لا يريدون أن يكونوا أوروبيين». دخل الاقتصادي الأميركي في نقاش مع مجموعة من المفكرين البارزين من الدول الأوروبية المختلفة، محاولاً معرفة جذور مشاعر الأوروبيين السلبية إزاء اتحادهم: «كان الألمان مقتنعين بأن السبب الأساسي لأزمة الاتحاد الأوروبي هو الكسل والتبذير والتحرر المفرط وخداع الدول الهامشية المزعومة، إسبانيا، والبرتغال، وأيرلندا، وإيطاليا، واليونان، وربما فرنسا أيضاً، ولا سيما اليونان، والبرتغال، وإسبانيا». بعيداً عن كل هذه الاتجاهات القلقة أو المتشائمة أحياناً، يتخذ أستاذ الدراسات السياسية الفرنسي «دومينيك مويسي» موقفاً متفائلاً من مستقبل أوروبا ويقول بوجود «عشرة أسباب تدعو إلى الأمل في أوروبا». هناك مثبلاً الحنكة السياسية التي بدأت تعود إلى أوروبا، وإدراك الرأي العام الأوروبي لمدى خطورة الأزمة، فحتى في فرنسا «تحرر المواطنون من الأوهام». إن أوروبا، يضيف «مويسي» ليست كما يزعم خصومها مجرد متحف لماضيها، كما أن تنوعها مصدر فريد للجذب والسياحة والإبداع والابتكار، «فمن السيارات الألمانية إلى السلع الترفيهية الفرنسية، لا ينبغي لنا أن نستخف بالقدرة التنافسية التي تتمتع بها الصناعات الأوروبية». إن خلاص أوروبا من أزمتها مسألة نفسية كذلك تقوم على استعادة الثقة بالنفس. يقول: «إن اللحظة التي تؤمن أوروبا فيها بنفسها حقاً كما تفعل ألمانيا، وتجمع بين التخطيط الاستراتيجي للأمد البعيد والتخصيص الجيد للاستثمار، ستكون لحظة فارقة حقاً. ولا يرى «مويسي» بأساً بالتنوع القومي الأوروبي، فـ«عودة النعرات القومية اليوم تخلق شعوراً بالمضاهاة والمنافسة». كما أن الإقبال العالمي على لغاتها لا يزال في أوجه، «فقلّة من الناس يحلمون بأن يصبحوا صينيين أو أن يتعلموا لغاتها العديدة غير اللغة الصينية الشمالية. وعلى النقيض من هذا فإن تعلم اللغات الإنجليزية والإسبانية، والفرنسية، والألمانية على نحو متزايد، أصبحت تتجاوز الحدود الوطنية». إن التعددية الثقافية تدعم ازدهار أوروبا، والمزيد من البلدان تنضم إلى الاتحاد... «وأخيراً، لا بد أن ندرك أن أوروبا والعالم ليس لديهما بديل أفضل»!