منذ سنوات مديدة نسبياً، يتحدّث بعض المراقبين والمحللين، العرب منهم وغير العرب، المسلمين وغير المسلمين، عن ضمور الإسلام السياسي أو انحساره. لكن هذا التناول ظلّ في غالبه أقرب إلى تأملات نظرية وتكهنات ثقافية لا يسندها الواقع كثيراً. لا بل كان كثير من تلك الأطروحات يهبّ في مواجهة الوقائع الصلبة والملموسة، حتى ليبدو أقرب إلى التمنيات التي يطلقها أصحابها لأسباب شتى. ذاك أن علامات قوة الإسلام السياسي كانت تتعاظم في غير بلد من بلدان العالم الإسلامي، كما يتعاظم معها الميل الشعبي والرسمي سواء بسواء إلى تديين الحياة العامة واستعارة القاموس والمعايير وسائر الاستخدامات الوثيقة الصلة بحركات الإسلام النضالي والحركي. لكنْ منذ وصول «حزب العدالة والتنمية»، مطلع هذا القرن، إلى السلطة في تركيا، أصبحت الأمور قابلة للقياس الفعلي. فهنا، لم نعد أمام آراء ووجهات نظر عن «الصلة بين الإسلام والديمقراطية» أو بين «الحداثة والأصالة». لقد بتنا، في المقابل، أمام تجربة ملموسة في الحاكمية كما في تسيير أمور الاقتصاد والسياسة والتعليم والصحة والمواصلات وسوى ذلك مما يعني المواطنين ويستدعي رأيهم فيه. والحق يقال إن التجربة التركية جاءت تحكم لمصلحة الإسلام السياسي، وذلك لأسباب كثيرة حكمتها طبيعة المرحلة تلك. ففضلاً عن تمسك «حزب العدالة والتنمية» باللعبة البرلمانية والنظام الديمقراطي، وعن استمرار السعي للاندماج بالمجموعة الأوروبية وإظهار التوقير لمؤسس الدولة كمال أتاتورك، ظلّ العنوان الأبرز هو محاولة الحزب المذكور الحدّ من سلطة العسكريين ومن رقابتهم على الحياة السياسية والعامة. ومعروف أن «حزب العدالة والتنمية» بقيادة رجب طيب أردوغان أحرز نجاحات فعلية في هذا المجال، توّجها بتحطيم مراكز النفوذ داخل المؤسسة العسكرية المتهمة بمحاولة انقلابية لإطاحة الحياة السياسية أو إعادة إخضاعها للجيش. هكذا طوي لسنوات كل كلام على انحسار الإسلام السياسي وضموره لصالح نوع من التنافس في إبداء الإعجاب به انطلاقاً من التجربة التركية ومن الاستنتاجات المبنية عليها. بيد أن تلك الفترة انتهت قبل أسابيع على ما يبدو، بسبب الانتفاضة التي انطلقت من إسطنبول وامتدّت إلى سائر المدن التركية، وراح يظهر أن الطور الجديد سيكون محكوماً بمعادلات أخرى مختلفة. ذاك أن المواجهة الجديدة لم تعد بين الإسلاميين والجيش طلباً للحرية التي توطدت واستقرت، بل غدت تدور بين الإسلاميين والفئات الحيوية في المجتمع التركي التي تطالب بإزاحة السيطرة التي يمارسها الإسلاميون على عملية الانتقال إلى الديمقراطية. هنا بات حزبيّو «العدالة والتنمية» يضطلعون بالدور القمعي والإعاقي الذي كان يضطلع به الجيش في ما مضى. وفي مناخ كهذا، صار من الجائز الحديث مجدداً عن انحسار الإسلام السياسي وضموره لصالح قوى تركية أكثر تقدماً تستطيع أن تستأنف بنجاح أكبر مهمة الانتقال الديمقراطي العتيد. وشاءت الظروف أن يتزامن هذا المستجد التركي مع الانقشاع المتزايد لحكم الإسلاميين في مصر وتونس. وهنا، لا نأتي بجديد حين نقول إن أمور الحكم في البلدين ليست على ما يرام بتاتاً. وقد يصحّ ما يقوله بعض المراقبين من أن موعد 30 يونيو الجاري سيكون حاسماً في مصر، إلا أن المؤكد أننا بتنا، وبغض النظر عما يحصل في 30 يونيو، حيال عدد لا يُحصى من القرائن على سوء إدارة «الإخوان المسلمين» لسائر الأمور التي امتدّت يدهم إليها، من العلاقات الداخلية إلى الاقتصاد ومن الصلة بالقضاء إلى الصلة بالإعلام. هكذا بدأت تتكاثر التأويلات التي يذهب أصحابها إلى أن حكم «الإخوان» سيميل إلى تضخيم النزاع المائي مع أثيوبيا، فضلاً عن المضيّ في الحملة ضد ناشطي المنظمات غير الحكومية، من أجل تحويل الأنظار عن إخفاقات نظامه. والحال أن هذا الانكشاف الإخواني أتى في موازاة التراجع الملحوظ عن التعاطف مع «الإخوان» الذي نجم عن المظلومية التي عرّضهم لها نظام مبارك والأنظمة التي سبقته. فها هم الآن يتولّون الحكم ويجدون أنفسهم في مواجهة المطالب الملحّة للذين انتخبوهم، فضلاً عن الذين لم ينتخبوهم من المصريين. وبعيداً عن مصر، كانت إيران التي يحكمها الإسلام السياسي منذ ثورة الخمينيّ في عام 1979، تستعرض هي الأخرى إخفاقاتها. فقد جاء انتخاب الشيخ الإصلاحيّ حسن روحاني لرئاسة الجمهورية دليلاً لا يُدحض على الرفض الشعبي الواسع لحكم الولي الفقيه وسلطته. وغنيّ عن التذكير بأن الإيرانيين سبق لهم، بعد تزوير انتخابات عام 2009 الرئاسية، أن أطلقوا ما عُرف بـ«الثورة الخضراء» التي سبقت ثورات «الربيع العربي» والتي، بمعنى ما غير مباشر، مهّدت لها. وعلى العموم، صار يمكن القول إن النظام الإسلامي في إيران، بعد انقضاء أكثر من ثلث قرن على قيامه، بات يضجّ بعلامات الشيخوخة والتآكل. لهذا لم يكن التصويت الأخير موجهاً ضد الرئيس السابق نجاد بقدر ما كان ضدّ الطريقة التي يُحكم بها الإيرانيّون، أي ضدّ الإفقار الذي يتعرّضون له، وضدّ النهج المعتمد في «الملفّ النووي» كما في المسألة السورية. وقد يكون صحيحاً تماماً أنّ صلاحيات رئيس الجمهورية وقدراته محدودة في إيران، لا بل هي أميل إلى الشكلية منها إلى الفعالية، إلا أن التصويت الأخير لروحاني يشي برغبات الشعب في الحدود الضيقة التي يتيحها هذا النظام للتعبير عن الرغبات الشعبية. وواقع الحال أن البلدان الثلاثة الأهمّ والأكبر في الشرق الأوسط، أي مصر وتركيّا وإيران، محكومة بقوى الإسلام السياسي، وإن كانت الفوارق كبيرة بين نموذج قطع شوطاً بعيداً من الديمقراطية كتركيا وآخر لا يزال خاضعاً كلياً لسلطة الاستبداد الديني كإيران. لكن الواقع يقول أيضاً، وعلى نحو لا تخطئه العين، إنّ الحاكمية الإسلامية في البلدان الثلاثة تعاني الاحتضار، كلّ واحدة منها على طريقتها. وهذا إنما ينطوي على مصدر وجيه للتأمّل والتفكير واستمداد العِبَر.