قمة الدول الثماني التي عقدت الأسبوع الماضي في إيرلندا كانت محطة مهمة في مسار الحرب السورية. انتظرها كثيرون، اعتقدوا أن اتفاقاً روسياً أميركياً سيكون حاسماً، يكرّس حلاً سياسياً، يحدد موعداً لعقد جنيف -2 لإقراره. النتائج جاءت مخيبة للآمال. فالذين راهنوا على اللقاء للوصول إلى حكومة انتقالية لها كامل الصلاحيات خصوصاً على القضاء والأجهزة والمؤسسات الأمنية صدموا. انتهت القمة، ولا إشارة إلى مصير الأسد. يقولون الموقف الروسي كان صلباً وهو الذي منع اتخاذ أي موقف في هذا الشأن. الحقيقة أن الموقف الأميركي لم يكن بعيداً عن هذا التوجه. وكان مناقضاً لمواقف عدد من الدول الأخرى غير روسيا. صحيح أن الأميركي لم يبد مقاومة للموقف الروسي، كما لم يبدِ تأييداً معلناً، لكن الأصح أن روسيا وأميركا لم تخرجا من الدائرة التي رسمتاها. أعود وأقول، الاتفاق بين الدولتين قائم منذ وقت طويل على المعادلة التالية: الموقف الأميركي يقول: تنحي الأسد ليس شرطاً لبدء العملية السياسية. والموقف الروسي يقول: بقاء الأسد ليس شرطاً لإنهاء العملية السياسية. يعني، المهم بدء العملية السياسية وفي نتيجتها يمكن الوصول إلى حسم مصير الأسد. المهم هو الدخول في هذه العملية. هنا، ميزان القوى على الأرض يؤثر. يقدم أو يؤخر بدء هذه العملية. تميل معه الكفة لهذا أو ذاك. يسعى كل فريق إلى تعديله لمصلحته. وعلى وقع هذه الحركة يكون التفاوض على الملفات الكبرى بين روسيا وأميركا. فينعكس ذلك على الأرض السورية. والتفاوض بدأ منذ زمن طويل لكنه لم يصل إلى نتيجة بعد، وسيكون طويلاً وتطول معه الحرب في سوريا. بعد القمة مباشرة، أعلن أوباما دعوته لتخفيض الأسلحة النووية إلى الثلث تقريباً. ردّ الرئيس بوتين رافضاً، المهم الدرع الصاروخية، وهذا من المواضيع الأساسية المؤثرة في العلاقة بين البلدين. في الوقت ذاته، بدأت المفاوضات في الدوحة بين أميركا وجماعة «طالبان» أفغانستان، دون مشاركة حكومة رجل أميركا كرزاي فيها. ولروسيا دور في هذا الأمر، فأميركا تريد سحب قواتها من هناك في نهاية عام 2014، وروسيا تلعب دور الضامن لأمن الانسحاب! وقمة الـ 8 جاءت بعد «القصير»، التي حقق فيها النظام السوري تقدماً بمساعدة أساسية من «حزب الله» ردّ الفعل الدولي والغربي على تدخل الحزب كان خجولاً، بل أقل من عادي. أصيب معارضو النظام بنكسة وخيبة وصدمة. طالبوا بتسليح المعارضة فجاء جواب أوباما: لا تسليح للمعارضة كما تطالبون. ولا حظراً جوياً، يجب علينا عدم المسارعة إلى حرب جديدة في المنطقة - تذكير بالعراق «وكأننا لسنا في قلب الحرب المدمّرة! ولا يمكننا السماح بوضع تستمر فيه الفوضى في بلد كبير يقع على حدود دولة مثل الأردن تقع بدورها على حدود إسرائيل»! وكأن أوباما اكتشف اليوم جغرافياً المنطقة. وكأن سوريا ليست واقعة الآن في الفوضى. الفوضى داخل المعارضة التي تدعي إدارته أنها تدعمها مباشرة أو من خلال دول حليفة لها، كذلك الفوضى على الأرض في كل المناطق! وأبلغ وأوضح ما قاله أوباما: «أعارض الوقوف إلى جانب السنّة في النزاع السوري كما يطالب البعض في المنطقة، لأن ذلك يتعارض مع المصالح الأميركية». وفي الظاهر وتقليدياً حلفاء أميركا هم السُنّة، أي الأنظمة التي تريد تغيير الأسد؛ مع الإشارة إلى أن هذا الكلام جاء في الوقت الذي تشتد فيه الأزمة في مصر، وتتصاعد الحملة ضد مرسي وتخرج السفيرة الأميركية في القاهرة «باترسون» لتدافع عنه لأنه خيار ديموقراطي منتخب من الناس! فأميركا هنا مع «الإخوان المسلمين» وضدهم في أمكنة أخرى. أميركا مع الانتخابات والديموقراطية هنا وضدها في أمكنة أخرى أيضاً . وفي موازاة ذلك ترتفع الدعوات السُنية من علماء وهيئات ومؤسسات وتصدر الفتاوى لتصدير المقاتلين والمجاهدين إلى سوريا، لإقامة دولة الخلافة فيها، لإسقاط «الديكتاتور» في سوريا ومعه حزب «الشيطان» الإيراني «حزب الله»، الذي بدأت في دول الخليج إجراءات دقيقة وشديدة ضده مباشرة وضد المناصرين له والداعمين مالياً لنشاطاته. وهو يتقدم في سوريا إلى جانب النظام، ويصّر على ثبات خياراته ومنهجه! هذا المناخ عكس نفسه على البيان الختامي لقمة الـثماني، الدعوة إلى الحل السياسي. تشكيل حكومة انتقالية بالموافقة المتبادلة بين النظام والمعارضة. وإلى أن تتفق المعارضة فيما بينها، تكون الفوضى قد عمّت أكثر وكوارث جديدة حلّت في سوريا. ثم إلى أن تتفق المعارضة والنظام يكون قد قضي على ما تبقى! واللافت هو التشديد على المحافظة على القوات العسكرية وأجهزة الأمن لضمان دورها في الحل كي لا تتكرر تجربة العراق. وهذه نقطة توافق بين الدول المختلفة، وهذا يعني استخدام القوى الأساسية منها، والتي لا يؤدي دورها إلى انقسام، بل يكون مؤثراً إلى جانب اللجان الشعبية والجيش الوطني. القوى التي دربتها إيران مؤخراً، ومعها «حزب الله»، وهذا يعني حرب استنزاف طويلة لا يحسم فيها أي فريق الحرب لصالحه الآن! وفي هذا الوقت، أعلن الرئيس السوري أن «التنحي اليوم هو خيانة وطنية»! هذا موقف ثابت، وسيترشّح للانتخابات عام 2014، كما أكد مراراً وتكراراً، وهذا الموقف عبّر عنه الروس أكثر من مرة تاركين الخيار للشعب السوري والانتخابات التي تؤيدها أميركا في أمكنة أخرى كما ذكرنا، وجدد الإشارة إليه الرئيس الإيراني الجديد، الذي توسم في انتخابه كثيرون الخير، لأنه «إصلاحي». أما النقطة البالغة الأهمية في بيان قمة الـ 8 فكانت الدعوة الموجهة إلى النظام والمعارضة، إلى الالتزام بتفكيك كل المنظمات المرتبطة بـ«القاعدة» وطردها من سوريا! كان البعض ينتظر دعوة إلى إخراج الأسد، جاء الموقف دعوة إلى تعاون قوى الأسد وقوى المعارضة لاستئصال «الفصائل الإرهابية» المرتبطة بـ «القاعدة». وهذا يخدم الأسد ونظامه، الذي استخدم قوى من هذا النوع في العراق سابقاً، أعاد دورها إلى سوريا لاحقاً، واستدرج تدخل قوى مماثلة من الخارج إلى المناطق السورية، وبات الكل يتحدث عن خطرها وممارساتها غير المعقولة وغير المقبولة وباتت هي الخطر الأساس. كتبت منذ أسابيع لماذا جنيف -2 وأشرت يومها استناداً إلى معلومات كثيرة ميدانية وسياسية، أن جنيف -2 لن يعقد لحل سياسي يخرج الأسد، بل سيعقد لتخرج منه الدعوة لضبط المتطرفين وهذا ما كان. أترك للقارئ الحكم على النتائج، مع التذكير بالرحلات السياحية الجديدة التي بدأت بتنفيذها الحكومة الإسرائيلية في مرتفعات الجولان. نقول الجديدة، لأن السياحة هناك كانت مخصصة للاطلاع على المشاريع الزراعية وإنتاجها، وعلى المياه المتدفقة والأرض الجميلة. الرحلات الجديدة اليوم تظهر السياح يقفون على الحدود، وقد جاءوا للتفرّج على الاقتتال السوري!