تُعتبر الهند ثالث أكبر اقتصاد آسيوي، وقد تمتعت خلال معظم العقد بمعدل نمو كبير، ولكن العملاق الاقتصادي يواجه حالياً تباطؤ النمو الاقتصادي وخطر ارتفاع التضخم، إضافة إلى حالة من عدم اليقين السياسي في وقت يزداد فيه الحديث عن انتخابات مبكرة، غير أن القلق الأكثر فورية هو السقوط الحر للعملة الوطنية الروبية الهندية. فالروبية الهندية، التي كانت أسوأ عملة في آسيا من حيث الأداء خلال شهر مايو، باتت اليوم تعاني من ضغط كبير بسبب تباطؤ النمو، واتساع العجز، وتردي البيئة الاستثمارية في وقت انخفض فيه معدل النمو إلى أدنى مستوى له منذ عقد من الزمن إذ بلغ 5 في المئة. والأسبوع الماضي، انخفضت قيمة العملة الوطنية الهندية إلى مستوى قياسي بلغ 58?98 روبية مقابل الدولار. ورغم أن البعض يقول إن ازدياد قوة الدولار أثر على كل عملات الأسواق الناشئة، فإن العملة الهندية انخفضت بأكثر من 8 في المئة خلال الشهرين الأخيرين في ما يوصف بأنه أسوأ أداء ضمن قائمة عملات سبعة أسواق ناشئة. وهكذا، تضررت قصة النمو الهندية الشهيرة كثيراً خلال الولاية الثانية للحكومة الائتلافية بقيادة حزب «المؤتمر»، حيث انضافت متاعب الروبية اليوم إلى قائمة طويلة من المشاكل. وإذا كانت الحكومة قد عبَّرت عن ثقتها في أن العملة ستستعيد عافيتها قريباً، فإن العديد من الخبراء والمحللين الاقتصاديين يعتقدون أن الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً بعض الشيء حتى تستعيد العملة استقرارها. وقد أتت أكبر ضربة من عجز «الحساب الجاري»، الذي وُصف من قبل البنك المركزي الهندي باعتباره أكبر خطر يتهدد الاقتصاد، حيث ارتفع إلى نحو خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية الأخيرة، مقارنة مع 4?2 في المئة خلال السنة التي قبلها. كما أن تراجع الأسهم المحلية دفع المستثمرين المؤسساتيين الأجانب إلى البيع وإخراج أموالهم من البلاد. ومنذ سبتمبر من العام الماضي، سعى رئيس الوزراء مانموهان سنج، الذي يوجد في العام الأخير من ولايته الثانية، إلى إنعاش الاقتصاد الآخذ في التباطؤ. وقد شملت الخطوات التي اتخذها كل شيء، من فتح قطاعي البيع بالتجزئة والطيران الهنديين إلى السعي إلى جذب الاستثمارات الخارجية. غير أنه منذ ذلك الوقت عجزت الحكومة، التي عانت من عدد من الفضائح ومن انسحاب حلفاء من الائتلاف الحكومي، ومن حصار المعارضة للبرلمان، عن الدفع بأجندة إصلاحاتها إلى الأمام بهدف خلق تدفق لرؤوس المال. وبالمقابل، ترسخت حالة من عدم اليقين السياسي بالتوازي مع تراجع النمو الاقتصادي إلى 5 في المئة، وهو أدنى مستوى له منذ عقد من الزمن. واليوم، هناك شكوك حول ما إن كانت الحكومة، التي يبدو أنها دخلت مرحلة الاستعداد للانتخابات، ستكون قادرة على تنفيذ أي إصلاحات كبرى في وقت يقول فيه بعض المحللين إن ثمة حاجة إلى عمل سياسي حاسم. والأكيد أن ما تحتاجه الهند هو عمل حكومي حاسم من أجل الدفع باقتصاد بطيء، وجذب رؤوس المال، ووضوح أكبر في السياسات. وهو أمر تبين أنه صعب في البيئة السياسية الحالية، التي يعاني فيها حزب «المؤتمر» الحاكم من سلسلة من المشاكل. والواقع أن خطر تراجع قيمة الروبية، الناتج عن اتساع خلل الميزان التجاري وضعف الأسس الاقتصادية وارتفاع قيمة الدولار، سيصب في مصلحة المصدِّرين الذين سيجنون مزيداً من المال، ولكن المشكلة هي أنه يمثل من كل النواحي الأخرى خبراً سيئاً بالنسبة لثالث أكبر اقتصاد آسيوي، حيث يسود شعور بالتشاؤم في أوساط المستثمرين أصلاً. ويُعتقد أنه إذا استمرت قيمة الروبية في التراجع، فإنها ستجعل واردات النفط والذهب باهظة أكثر؛ وهو أمر لن يزيد من عجز الحساب الجاري فحسب، وإنما سيؤدي أيضاً إلى ارتفاع أسعار البترول والديزل بسبب ارتفاع كلفة الواردات. وبالنظر إلى استبعاد وزارة المالية الهندية إمكانية اتخاذ أي خطوات فورية من أجل كبح سقوط قيمة الروبية، فإن التكهنات تشير إلى أن الحكومة في سنة انتخابية تسعى إلى جذب مزيد من الأموال إلى البلاد من الخارج، ذلك أن الطريقة الوحيدة لرفع قيمة الروبية هو تدفق مزيد من الدولارات، ولهذا الغرض، سيتعين على الحكومة أن تتخذ بعض الخطوات الفورية. والواقع أن الاستثمارات الخارجية المباشرة في الهند تراجعت بـ38 في المئة إلى 22?42 مليار دولار في عامي 2012- 2013 مقارنة بـ2011. وفي الوقت الراهن، قال وزير المالية الهندي إن الحكومة تعتزم اتخاذ خطوات تروم زيادة تدفق الاستثمارات الخارجية ملمحاً إلى أنها تبحث إمكانية فتح الاقتصاد أكثر وزيادة حدود الاستثمار الخارجي المباشر في بعض القطاعات. ولكن التداعيات الفورية لسقوط قيمة الروبية، تتمثل في أن البنك المركزي الهندي، الذي من المتوقع أن يقوم بمراجعة السياسة النقدية الشهر المقبل، لم يشر إلى إمكانية إجراء، أي خفض في معدلات الفائدة مثلما كان يتوقع البعض. كما أن البنك المركزي لم يتدخل بشكل مباشر حتى الآن من أجل دعم العملة بطريقة كبيرة لأنه يرغب في أن يظل احتياطي العملة الصعبة سليماً من أجل تغطية الواردات. ولئن كان الاقتصاد الهندي في حالة أفضل مقارنة مع العام الماضي للتعاطي مع تقلبات قيمة الروبية، فإنه قطعاً يمثل بالنسبة لصناع السياسات في الهند مدعاة للقلق.