أعلنت مؤخراً وزارة الثقافة والإعلام السعودية رغبتها في تقنين الفتاوى، من خلال مطالبة المؤسسات الإعلامية بعدم نشر الأحكام الصادرة عن دعاة شرعيين أو غير شرعيين وحصرها في هيئة كبار العلماء للقضاء على ما يُعرف بـ«فتاوى السوق السوداء». بعض العلماء والكتّاب أعلنوا احتجاجهم على هذا القرار، لأنه من وجهة نظرهم يتضمّن حجراً على الآراء، وسيُصبح سدّاً أمام قنوات الاختلاف، التي بُنيت عليها تعاليم الإسلام. إضافة إلى تخوّفهم من أن يؤدي تقنين الفتاوى إلى تسييسها واقتصارها على تيار معين يتحدّث باسم السلطة، ويضع نصب عينيه إرضاءها بإصدار فتاوى تتناسب مع توجهاتها الخاصة! ذكّرني الجدل الحاصل حول هذا الموضوع، بالتعليقات الدائرة في الساحات الإعلامية العربية، بأن الشعب المصري بمختلف شرائحه وفئاته العمرية بعد ثورة 25 يناير، قد أصبح مسيّساً! ولكن إذا دققنا فيما يجري حولنا، سنجد بأن هذا الأمر هذا لا يقتصر على مصر فقط، بل يشمل كافة البلدان التي وقعت بها الثورات وخروج الناس في مظاهرات تكاد تكون شبه يومية! حيث أخذت السلطات تلوّح بورقة الدين كي تُمرر قراراتها، والتي كان آخرها ما أفتى به عدد من شيوخ الدين بمصر في عدم جواز خروج الناس على ولاة الأمر! بلا شك أن انفراط سبحة الفتاوى بالسنوات الأخيرة، وقبل أن تبدأ رياح الثورات العربية، قد تحولت إلى فوضى عارمة بكافة بلداننا العربية، وقد كان بعضها متطرفاً إلى أقصى حد، وأدّت إلى مقتل عدد من المثقفين المحسوبين على الخط الليبرالي! هل زمرة الفتاوى يتحمل وزرها شيوخ الدين، أم أن الشعوب العربية تتحمّل جزءاً من شيوعها؟! هل ساهمت أغلبية الأنظمة العربية في شيوعها، كي تكسب ولاء شعوبها من خلال تحفيز دعاتها على إصدار فتاوى تضمن بقاءها في كراسي الحكم؟! هل السلطات العربية بريئة، نقية السريرة، وأن الأمر بأكمله يقع على عاتق المؤسسات التربوية التي لم تعلّم الفرد العربي، كيف يُعمل عقله ويُجادل في أمر دينه ودنياه، وحوّلته مع الوقت إلى كرة خيط هشة بين أيدي الدعاة؟! الإعلام العربي في رأيي يتحمّل مسؤولية كبيرة في رواج ظاهرة الفتاوى، من خلال فتح قنواته على مصراعيها للدعاة في إطلاق فتاوى غريبة تشوّه فكره! المؤسسات التربوية تتحمّل هي الأخرى جزءاً من هذا الوزر بتدجين عقول النشء الصاعد، وعدم زرع قيمة العقل في وجدانه، فيعيش حياته على الهامش ويتقبّل صاغراً كل ما يتم سكبه في أذنيه! أغلبية السلطات العربية متورطة كذلك، حيث لم تزل تستخدم ورقة الدين للتأثير على مواطنيها وكسب ولائهم . لكن الأهم من كل هذا تطلعات بعض من شيوخ الدين والدعاة إلى تحقيق مكاسب دنيوية ومالية، فيُخالفون ضمائرهم ويسيّسون فتاواهم، لترضى عنهم سلطات بلادهم ويظلوا تحت الضوء في كل مناسبة رسمية، ويصبحوا في فترة وجيزة نجوماً يُشار لهم بالبنان. أتذكّر بأنني استمعتُ مرة عبر الأثير، إلى مستمع يطلب نصيحة الشيخ في رفض زوجته الإذعان لكلامه! فردّ عليه الشيخ صارخاً.. طلّقها يا رجل وسيُعوّضك الله خيراً منها. نموذج بسيط لما يجري من سجالات في الإذاعات وعلى شاشات القنوات الفضائية الدينية! وهو ما يؤكد بأننا نعيش ظاهرة اجتماعية خطيرة لن تنتهي بين يوم وليلة، بل يحتاج القضاء عليها إلى تكاتف جهود المثقفين المستنيرين الشرفاء، المنتمين لمختلف التيارات الفكرية، لمحاربة الفكر الظلامي، وتشجيع الناس على إعمال العقل الذي لا يتنافى مع مفهوم الدين، وتحفيزهم على أن لا يرتموا عند أقدام دعاة كل همهم تحويل الإنسان العربي إلى مشروع غير قابل للتنفيذ!