ما زالت فرنسا وأوروبا ترزحان في دوامات الأزمة النقدية غير المسبوقة، التي تحولت مع مرور الوقت، وتضاعف تداعياتها الاجتماعية والسياسية، إلى أزمة اقتصادية معقدة وشبه بنيوية، تقتضي الاستجابة لتحدياتها المزمنة اجتراح حلول ومبادرات اقتصادية غير نمطية وغير تقليدية. وفي سياق هذه الاستجابة أثير كثير من الأفكار والمقاربات الجوهرية المتعلقة بإعادة نقل وتعويم الصناعات دعماً لتنافسيتها في الأسواق الدولية، نظراً لانخفاض تكلفة الإنتاج في مناطق الجذب ببعض الدول كثيفة العمالة قليلة الأجور مثلاً. وفي المقابل تحدث آخرون عن سبل معالجة مشكلات البطالة الهيكلية وأنجع الطرق لاستعادة معدلات النمو، وإنعاش الدورة الاقتصادية. وهنالك أيضاً من يرى أن الخرق الاقتصادي ما زال حتى الآن لم يتسع على الراقع، وما زالت ثمة وسائل وتدابير ممكنة، وغير قاسية، يمكن اتباعها لاستعادة سوية الدورة الاقتصادية. وفي سياق اتجاه المقاربة الاقتصادية الواقعية الداعية إلى احتواء الأزمة بخطوات عملية محددة، لا تشذ عن معهود تقاليد الاقتصاد باعتباره علماً وفناً للتسيير والإدارة، يأتي كتاب "الاقتصاد الذي نحب، إعادة النقل، وخلق فرص العمل، والنمو: حل جديد في مواجهة الأزمة" الذي أصدره في الشهر الماضي ثلاثة من الأكاديميين الاقتصاديين الشباب في فرنسا هم سوفي كيلر، وأماندين بارت، ورومين ستيلين، مستعرضين فيه على ضوء بحوثهم الأكاديمية، ومن واقع تجاربهم العملية، وهم كلهم أصحاب أعمال، كيفية مواجهة واقع الأزمة الاقتصادية بثقة ودون حاجة إلى تدابير قيصرية صعبة تكون لها انعكاسات اجتماعية وسياسية غير مريحة. ويبدأ مؤلفو الكتاب أولاً من تفنيد بعض الأفكار النمطية السارية الآن لدى بعض الاقتصاديين التقليديين كالقول، على سبيل المثال لا الحصر، إن الطريقة الوحيدة لتحقيق التنافسية للصناعات الفرنسية في اقتصاد اليوم المتعولم، هي نقل الأعمال ونزع الطابع المحلي عن هذه الصناعة، بحيث تصبح خطوط إنتاجها منتشرة عبر قارات العالم بحسب الفائدة ورخص تكلفة الإنتاج، ولكن من واقع تجربة بعض الشركات الفرنسية الشهيرة، ثبت أيضاً أن العكس ممكن، إن لم يكن هو الصحيح، حيث تمكنت تلك الشركات من تركيز أعمالها في مناطق معينة داخل فرنسا نفسها على رغم ارتفاع أجور العمالة وتكلفة الإنتاج الإجمالية، ومع ذلك حققت نتائج اقتصادية باهرة، وانخرطت في شراكات محلية، وأثبتت أن الالتزام بتوطين الصناعات والحفاظ على طابعها المحلي ليس بالضرورة أن يكون عائقاً حتمياً أمام الربحية والتنافسية. بل إن تلك الشركات استفادت من تراكم رأس المال المعرفي والبشري المحلي لصناعة نجاحها، وفي ذات الوقت خلقت الوظائف، وأظهرت الالتزام بجوانب من المسؤولية الاجتماعية تجاه بلادها، لم تكن لتتحقق لو تم نزع الطابع المحلي عن أنشطتها الاقتصادية. ويؤكد المؤلفون بين دفتي كتابهم (112 صفحة)، أن الاقتصاد الذي يحبون ليس تنظيراً، ولا إغراقاً في الطرح المدرسي أو الإيديولوجي، وإنما هو حزمة تدابير مستقاة من منطق إدارة الأعمال، ومن تجارب تسيير وتدبير شؤون الشركات، ولذلك فإنهم لا يبشرون بنظرية أو آراء معيارية، وإنما يعرضون أمام صانع القرار الاقتصادي، والقارئ العادي، رؤية منفكة من التشاؤم، وغير مرتهنة لمنطق التهويل أو التهوين، الذي راجت موضته على هامش الأزمة الاقتصادية الأوروبية الراهنة. فهم يعرضون بلغة الأرقام والوقائع ما يشبه دراسة حالات لشركات محددة بالأسماء رفضت الانخراط في منطقة النكبة والكارثة وراحت تدير أعمالها بمنطق واقعي لا يتجاهل واقع الأزمة، ولكنه لا يحوله أيضاً إلى هاجس معيق للمبادرات والمشروعات. وبدلاً من التفكير في تغيير مفهوم إدارة الأعمال والمؤسسات الاقتصادية في أوروبا، أو التنكر لضرورات النموذج الاجتماعي المحلي وترحيل أعمالها وراء سراب التنافسية الخارجية، راحت تلك الشركات الناجحة تعيد التأقلم على أساس مبادئ تسيير جديدة. ويقول مؤلفو الكتاب في هذا السياق إن من حق مسيري الشركات أن يبحثوا عن الربح، ولكن مع تقليص سقف أهداف ونسب الربح المنشودة. كما أن عليهم أن يعتبروا خلق الوظائف في بلدانهم هدفاً أيضاً يستحق التضحية، حاله في ذلك كحال هدف البحث عن الربح. وثمة هدف ثالث كذلك لا يقل أهمية هو إعادة إنعاش وإحياء الحراك الاقتصادي في أقاليم بلد الشركة أو المشروع، وهو ما من شأنه أن يكون ذا عائد على الاقتصاد الكلي، ستتحصل الشركة المعنية على نسبة من مردوده، مع مرور الوقت. والمطلوب من الصناعيين هو فقط أن تكون خططهم وأهدافهم مصممة على واقع الاقتصاد الأوروبي، بحيث يعيدوا توجيه ورسم خطوط استراتيجياتهم، وتنسيق خدماتهم، وتبني سياسات في المورد البشرية جسورة. وعلى العموم يقدم هذا الكتاب أفكاراً- مفاتيح لمواجهة ترحيل الوظائف من الاقتصادات الأوروبية، ويعرض في الوقت نفسه آليات تكيف ذكية مع واقع الأزمة، دون أن يعني هذا أيضاً إلقاء كافة العبء على كاهل الصناعيين وأصحاب الشركات بل لابد أن تتساند الأطراف الأخرى كلها من عمال ومنتخبين وصناع قرار، لإعادة تعويم الشركات الأوروبية، ولجعلها قادرة على المنافسة والإنتاجية، بما يسمح لها بالاستمرار في تحمل مسؤولياتها الاجتماعية، وهذا الاقتصاد الملتزم هو الاقتصاد الذي نحب وهو الرهان الأنسب لمجتمعات الغد، يقول مؤلفو الكتاب. حسن ولد المختار ------- الكتاب: الاقتصاد الذي نحب المؤلفون: مجموعة مؤلفين الناشر: ري دوليشيكييه تاريخ النشر: 2013