تدل ظواهر عديدة على أن العالم العربي الذي كان في السابق منطقة لا صوت لها، يحكمها حكام ديكتاتوريون، قد طور هوية خاصة به بين ليلة وضحاها تقريباً. فسلسلة الانتفاضات التي بدأت في أواخر عام 2010 ثم توالت في بدايات 2011 وأطاحت أنظمة ديكتاتورية، أدت في الآن ذاته إلى تغيير في سياسات المنطقة، أجبر معظم الخبراء المعنيين بشؤونها على إجراء مراجعة شاملة لمفاهيمهم السابقة عن العالم العربي وشعوبه. وبالإضافة للتغييرات المزلزلة في بنيات الحكم، وفي ممارسات السياسة وآلياتها، كانت تلك الانتفاضات سبباً في إثارة موجة عارمة من الاهتمام بالرأي العالم العربي، الذي تعرض لإهمال شديد دام حقباً طويلة. وفي الكتاب الذي نعرضه هنا، وعنوانه «العالم من خلال عيون عربية... الرأي العام العربي وإعادة تشكيل الشرق الأوسط»، يعتمد أستاذ العلوم السياسية بجامعة ماريلاند، شبلي تلحمي، إلى المعلومات والبيانات المستخرجة عن طريق مجموعة من الأبحاث واستطلاعات الرأي التي تغوص في أعماق النفسية العربية، سعياً لتحليل القوى الدافعة، والعواطف المحركة للانتفاضات العربية، وللمرحلة التالية في السياسة العربية. ومن خلال رؤى نافذة للشعوب والدول التي قام باستقصائها، يقدم تلحمي سرداً شائقاً وعميقاً للهوية العربية، يكشف من خلاله أن أولويات العالم العربي وأحزانه الحالية، كانت تختمر ببطء على مدى عقود، وأن المطالبة بالكرامة الإنسانية التي مثلت نداءً ثابتاً في الأناشيد والأغاني التي انطلقت في الساحات والميادين، لم تكن مثل غيرها من المطالبات، وتجاوزت الكفاح المباشر من أجل لقمة العيش، والحقوق الفردية التي حرمت منها الجماهير طويلاً. والصرخات العربية التي ترددت في ميادين وساحات الاحتجاج المختلفة، لم تكن مجرد رد فعل لأعمال وانحرافات الحكام الفاسدين، كما لم تكن منفصلة عن الرغبة في نيل الاحترام الذي يتوقون إليه من العالم الخارجي. فالمهانة والظلم اللذان تعرض لهم العرب خلال سنوات الاحتلال على أيدي القوى الغربية المسيطرة، تركا العديد من الندوب والجروح في الذاتية العربية، كما تركا آثاراً أخرى خلقت لدى العرب الرغبة في أن تكون لديهم أنظمة سياسية ديمقراطية، وهو ما يمثل في نظر الكتاب تناقضاً يعقّد فهم الغرب للتغييرات التي تحدث حالياً وفي المجتمعات العربية. ويرى تلحمي أن هناك انفصالاً بين الحكومات والنخب في العالم العربي من ناحية، وبين المشاعر الحقيقية للجماهير العادية في الشارع من ناحية أخرى. وهذا الانفصال في نظره هو الوقود الذي يشعل معظم الأحداث في الشرق الأوسط، بما فيها «الربيع العربي». ويرى كذلك أن وسائل الإعلام لها دور كبير في العالم العربي، وأن الثورة المعلوماتية كانت من العوامل الأساسية التي مهدت لـ«الربيع العربي»، إضافة للأسباب الأخرى العميقة التي كانت موجودة قبل ذلك بعقود، وعلى رأسها: الأحوال الاقتصادية المتردية بسبب فشل مشروعات التنمية العربية، والقمع السياسي من قبل الأنظمة، والقمع الاجتماعي من قبل الأغنياء للفقراء، والهوان الذي كانت تلاقيه الدول العربية في مجال السياسة الخارجية. ويمثل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني رمزاً لهوان العالم العربي الذي يشعر بالسخط والغضب، وهو يرى دولة يبلغ عدد سكانها 8 مليون نسمة تسيطر على مقدرات 500 مليون عربي يعيشون في عالم كبير يمتد من المحيط إلى الخليج. ويقول تلحمي في هذا السياق إن ذلك تحديداً هو السبب في الاحتجاجات ضد الضربات الجوية الإسرائيلية لنظام الأسد، رغم أن 89 في المئة من العرب يعارضون الأسد ويدعمون معارضيه. ويوضح تلحمي السبب الذي جعل هتاف «ارفع رأسك عالياً» أحد أبرز هتافات «الربيع العربي» وأكثرها تكراراً في الميادين. وينهي المؤلف كتابه بالقول، إنه فيما يسعى العالم العربي لاستعادة كرامته، فإن بقية العالم لابد أن يشهد هو الآخر تغييرات تستجيب لذلك التحول. سعيد كامل ------- الكتاب: العالم من خلال عيون عربية... الرأي العام العربي وإعادة تشكيل الشرق الأوسط المؤلف: شبلي تلحمي الناشر: بيسك بووكس تاريخ النشر: 2013