إن أكبر نتيجة سلبية، في سياق ما أطلقته «الثورات العربية» الدائرة منذ أكثر من عامين، هو سقوط نموذج التعايش، والتأكيد على كشف حقيقة أن المجتمعات العربية كانت، في الأصل، مفخخة تعاني من انقسامات مختلفة العناوين (إثنية ودينية ومذهبية وجهوية وقبلية وغير ذلك) برزت بوضوح جلي منذ فترة وهذه الأيام! وكانت هذه الانقسامات، أيام الديكتاتوريات وأنظمة الاستبداد، مطمورة تحت سطح «طنجرة ضغط» سياسي ما لبث أن ساهم الضغط العالي في انفجارها واندفاع «العفن» الراكد طويلا فيها وظهوره على السطح بشكل فاضح! والسؤال الهام، كما يطرحه كثيرون اليوم: ما بال «الحرية» في هذا الوقت تأتي بالفوضى وبالقتلى والجرحى والاعتقالات؟! بل، ما بالها جاءت بما هو أخطر من هذا وذاك: الحرب الطائفية التي تنذر بتوسيع نطاق الحريق وتفجير الوضع الإقليمي، من سوريا ولبنان إلى العراق وغيره؟! إن إنجاز العيش المشترك، في ظل تعدد الطوائف والمذاهب، مسألة ليست بالسهلة. وربما يكون لبنان هو أوضح مثال على ذلك منذ عقود طويلة مضت. فالفرقاء اللبنانيون لطالما توصلوا إلى صيغ معينة من التوافق أو الاتفاق الوطني، بل إنهم أعادوا مؤقتاً السلم الأهلي إلى الحياة السياسية والاجتماعية في لبنان بعد حرب أهلية بدأت في عام 1975 وانتهت عام 1989. لكن، للأسف، لم تدم حالة السلم الأهلي في لبنان طويلاً، بالرغم من كل الاتفاقات والنوايا الحسنة، كون الاتفاقات الوطنية اللبنانية رسخت الطائفية السياسية، سواء في اتفاق الميثاق الوطني عام 1943، أو اتفاق الطائف عام 1989، واللذين لم ينجحا في حل مشكلة الطائفية السياسية في لبنان، بقدر ما كانا نوعاً من العلاج المؤقت. ولبنان اليوم قائم على حالة من التوازن السياسي الطائفي غير الثابت. لذا، يبحث الجميع في ذلك البلد الجميل عن مواقع جديدة في شبكة التوازن الطائفي، وهو الأمر الذي لطالما سبب غليان الأوضاع في البلاد أكثر من مرة وصلت حد الاشتباكات الطائفية الدموية الجزئية. وكم من مرة تم نشر دعوات ومناشدات التحذير من «لبننة» أو «صوملة» هذا البلد أو ذاك، غير أن واقع الحال العربي هذه الأيام يغري المرء بالهتاف للتجربة اللبنانية وإعلان الإعجاب بها من زاوية كونها «الأقل سوءاً» مما يبدو عليه الحال في أكثر من بلد عربي. فعلى الأقل ثمة جوانب عدة في التجربة اللبنانية، تستحق الإعجاب والمديح، دون أن نرى ذلك في حالات عربية ماثلة للعيان هذه الأيام. واليوم، مع فشل النخب العربية الحاكمة الجديدة في الاتفاق على آليات تقود مجتمعاتها إلى دولة القانون القائمة على المواطنة والمساواة التامة، تعززت الولاءات الطائفية، وكذلك المذهبية وغيرها. حتى الدولة القطْرية التي كانت هي الغاية والمنتهى عند البعض، بدأت بالتفكك حين غزت العقول مفاهيم وتوجهات مريضة. ففي الأمس، كان العراق والصومال، واليوم سوريا واليمن والسودان ولبنان ومصر والبحرين. وفي العالم العربي اليوم، تتعدد مظاهر الاحتقان والتنفيس عنه بالعنف. والآن، ينحدر الطائفيون العرب في واد سحيق. فبدلا من الصعود إلى تأسيس الدولة الوطنية (كي لا نتحدث عن الدولة القومية، يا حسرتي!) وجدنا أنفسنا نمضي هابطين في المستنقعات البدائية للطائفية، بل وللمذهبية. وطبعاً، ما كان لهذا أن يكون أصلا ويتعزز ثانياً لولا حالة الانحطاط الشامل (ثقافياً، وسياسياً، واقتصادياً، وعسكرياً، وإعلامياً، وفكرياً بالطبع) الذي أصابنا جرّاء «السوس» الذي ينخر عقلنا وخطابنا الفكري السياسي أولا، وبفضل «الترحيب» والتعزيز الإمبريالي، وبخاصة الصهيوني، لسيادة وهيمنة «المنطق» الانحطاطي ثانياً. العنصرية والجهوية والطائفية، وبقية الأشكال الأخرى للفئوية الهدامة، لا تبني الأوطان. ذلك أن الأوطان تبنى بإرادة العيش المشترك في حاضنة ثقافية متجانسة تتسامى فوق أي اختلافات واختلالات طائفية أو مذهبية أو عرقية أو إثنية. ومعروف أن الوسائل القانونية لممارسة المواطنة هي وحدها الكفيلة باحتواء أي توتر طائفي أو مذهبي وبضمان حقوق الأقليات. فالدساتير والممارسات العربية بعد «الثورات» لم تتضمن ممارسات أساسية كانت قد غيّبتها الأنظمة الديكتاتورية السابقة: فصل السلطات، المساواة بين الأفراد أمام القانون، العدالة الاجتماعية، تكافؤ الفرص، وتكريس الأمة كمصدر للسلطات، والعدالة الاجتماعية... بما يضمن الحقوق السياسية متمثلة في حرية الرأي والتعبير وتأسيس الأحزاب السياسية وتكوين الجمعيات، والحق في المشاركة والمنافسة ضمن انتخابات حرة ونزيهة. إن تعدد واختلاف الأعراق والثقافات والديانات والطوائف واللغات لا يعيب أي مجتمع. بل إن مجتمعات، استوعبت تعدد واختلاف الشرائح والمجموعات لديها، تمكنت من جعل ذلك التنوع مصدر قوة لا ضعف. أما عجز الدولة الوطنية العربية عن معالجة قضية المواطنة، وتفاقم الاختلال في علاقة الدولة بمواطنيها، فينبئ بالغرق في مزيد من الصراعات الإثنية والعرقية والمذهبية والطائفية والمناطقية! لذا، لا خيار أمام القيادات العربية الجديدة سوى تأسيس مجتمعات تعترف بحقوق الأقلية على أيدي الأكثرية. صحيح أن الطائفية (ومثيلاتها من الأمراض المجتمعية) لن تختفي عندئذ تماماً، لكنها ستتحول بالتأكيد إلى مشكلة اجتماعية بحتة. وللأسف الشديد فقد تحدث تقرير لمعهد «بروكينجز» الأميركي في إبريل الماضي عن أن «الصراع بين السنة والشيعة أصبح يحتل مكانة متقدمة على صراع العرب والمسلمين ضد الهيمنة الغربية، بل أصبح متقدماً كذلك على القضية الفلسطينية، والتي لم يعد كثيرون في العالم العربي يهتمون بها». وخلاصة القول إننا، هذه المرة، نتفق مع ما كتبه الكاتب الأميركي توماس فريدمان حين قال إن «التخلص من هذا الميراث سيحتاج إلى ما هو أكثر من الإطاحة برؤوس هذه الأنظمة. سيحتاج إلى ثقافة التعددية والمواطنة. وحتى يتحقق هذا، ستظل القبيلة تخشى غيرها من القبائل في ليبيا، والطائفة تخشى غيرها من الطوائف في سوريا، وسيظل العلمانيون والمسيحيون على خوفهم من الإسلاميين في مصر وتونس، وستبقى فلسفة (الحكم أو الموت) منافساً شرساً لمبدأ (شخص واحد، صوت واحد)».