عشية إعلان الولايات المتحدة عن أنها ستقدم «دعماً عسكرياً» لمقاتلي الثورة السورية، بعد أن تيقنت من استخدام النظام السوري أسلحة كيماوية ضد مقاتلي الثورة، أكد بيان صادر عن البيت الأبيض «أن استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا» غيّرَ «المعادلة بالنسبة للرئيس الأميركي». واعتبر هذا الإعلان الأول من نوعه منذ نشوب المعارك الدامية في سوريا، واستخدام النظام- مدعوماً بعناصر (حزب الله) اللبناني ومسلحين إيرانيين- العنف ضد الثوار المطالبين بالحرية والكرامة. وسرت أخبار بتزويد مقاتلي المعارضة بأسلحة متطورة وصواريخ مضادة للدبابات وأخرى مضادة للطائرات من قبل الولايات المتحدة، كما تم الحديث عن عرض أميركي لإقامة منطقة حظر جوي مؤقت فوق مخيمات تدريب الثوار على مساحة 40 كيلومتراً داخل سوريا بواسطة طائرات مجهزة بصواريخ (جو- جو). عشية هذا الإعلان كان إعلانٌ آخر من الأمم المتحدة، يؤكد وصول رقم القتلى في سوريا إلى 93 ألف شخص، بينهم 6500 طفل على الأقل حتى نهاية شهر أبريل الماضي. ولقد تساءل محللون عرب عن الأسباب الرئيسية، التي أدت إلى تأخر اتخاذ الولايات المتحدة موقفاً واضحاً وقوياً من النزاع غير المتكافئ في سوريا، رغم وضوح الموقف الروسي في مساندة النظام السوري، ولكأن أعداد الضحايا الذين يسقطون يومياً في المدن والقرى السورية لا يقنع روسيا بضرورة تعديل موقفها؟! يقول بعض المحللين العرب إن أسباب هذا التأخر وعدم الجدية الأميركية في التعامل مع القضية السورية المؤلمة، هو رهان الإدارة الأميركية على حصان «الرأي العام» الأميركي، الذي ملَّ التدخلات العسكرية الأميركية في مناطق عدة من العالم، وأن الإدارة الحالية تعوّل على هذا الرأي العام للانتخابات المقبلة. والمؤشر الثاني هو رغبة الولايات المتحدة في إنهاك طرفي المعادلة السورية، ضماناً لأمن إسرائيل. والمؤشر الثالث متعلق بـ«حذر» الولايات المتحدة من «التورط» في الحرب في سوريا لاعتبارات عسكرية ومالية، إذ أن سوريا تختلف عن العراق أو الكويت؟! وأن أي تدخل أميركي قد «يُؤَممَ» الحرب وستدخل فيها أطراف إقليمية أخرى. والمؤشر الرابع طبيعة الحالة السورية و«الحذر» من إيجاد بديل عن النظام العلوي في سوريا قد لا يكون «معتدلاً» فيما يتعلق بحقوق الأقليات، ويخلق «بؤرة» جديدة للمتشددين الإسلاميين، وبذلك يُوجد نظاماً مثل النموذج الأفغاني لـ«طالبان»، الذي حارب الحياة العصرية، وأدخل البلاد في دائرة القهر والتردي ومحاربة الحضارة. ولعلنا نضيف إلى تلك المؤشرات مقاربة «الفائدة والخسارة» جرّاء الدخول في المعارك الدائرة في سوريا! وحذر الولايات المتحدة من المواجهة المباشرة مع روسيا، التي ترى أن بقاء نظام الأسد، أفضل من وجود نظام مجهول الهوية، لربما سار ضد تيار الإنسانية، وما يتطلع إليه الشعب السوري من الحرية والديموقراطية وإنشاء دولة المؤسسات، كما حصل في بعض بلدان «الربيع العربي»؟ في مقال للكاتب زاجروس عثمان نُشر في موقع «منتدى فكرة» قبل حوالي عام بعنوان: «الثورة السورية وحسابات واشنطن الخاطئة»، ذكرَ أنَّ تعامُلَ الولايات المتحدة مع الأزمة السورية كان «صادماً» للشعب السوري وكذلك النظم الديموقراطية! واتهم الموقف الأميركي بأنه «غير عابئ» بما يقوم به النظام السوري من الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، رغم إعلانات الولايات المتحدة «الأخلاقية» المؤيدة للشعب السوري. وأن هذا «التردد» الأميركي قد فتح الطريق لروسيا وإيران للتدخل المباشر في النزاع، وهو ليس في صالح الولايات المتحدة. وهذا ما ولّد شعوراً لدى المناضلين السوريين بأن الولايات المتحدة «تحمي» النظام السوري؛ بعكس الموقف الروسي، الذي قدّم دعماً دبلوماسياً وسياسياً ومالياً ولوجستياً للنظام السوري. وتمنى الكاتب لو أن الولايات المتحدة «بعثت» رسائلَ واضحة ودقيقة للنظام السوري لوقف قتل المتظاهرين المدنيين وسحب السلاح النظامي من المدن؛ وهو ما يُمكن أن «يُعدّل» الموقف الروسي في مجلس الأمن، ويجعل روسيا تغيّر موقفها «الأعمى» من النظام السوري، ويشجع الأطراف الأخرى «الحلفاء» لتقديم المال والأسلحة القتالية للثوار. ويخلص الكاتب إلى أنه «لو أن الولايات المتحدة فعلاً خائفة من اختلال الأمن والاستقرار في المنطقة، فلا بد لها من التدخل في الأزمة السورية قبل فوات الأوان». نشر هذا الكلام قبل حوالي عام، وهو كلام جدَّ واقعي ودقيق حول الموقف الأميركي، ولقد جاء الموقف المأمول يوم 13 يونيو- بعد عامين من أعمال القتل والتشريد والهدم، التي قام بها النظام السوري ضد شعبه- بعد موقف أميركي «غامض» خلال عامين - تناقضَ كثيراً مع مواقف و«تبشيرات» أميركية سابقة حول دعم التحول الديموقراطي في الشرق الأوسط ونشر قيم الحرية والعدالة، والتي ظهرت بعد حرب تحرير الكويت. وهذا الموقف- خلال عامين ماضيين- لا مبرر له سوى الرؤية بعيدة المدى لأمن إسرائيل، والتي دعا فيها محلل عسكري في صحيفة «يديعوت أحرنوت»، الحكومة الإسرائيلية إلى «ترك العرب يتقاتلون، وليقتل كل واحد منهم الآخر، لأن أي تدخل إسرائيلي قد يعيد التفات العرب مع بعضهم على عدوهم التاريخي». وبرأينا هذا هو الهدف الرئيس للموقف الدولي «المتردد» من دعم الثورة السورية؛ فهل سيكون الموقف الأميركي الجديد بدعم الثوار «صحوة الروح»؛ أم أن هذه الروح «ستُخمد» من جديد؟