تقدر منظمة الصحة العالمية أنه بمرور كل عام تضاف نصف مليون حالة جديدة إلى أعداد المصابين بميكروب مرض السل من النوع المقاوم لعدد كبير من العقاقير المستخدمة حالياً في العلاج. ومن المؤسف أن علاج مثل تلك الحالات يتطلب جرعة يومية لمدة عشرين شهراً على الأقل من عقاقير أكثر سُمية، وأقل فعالية، وأغلى ثمناً، مقارنة بالعقاقير التي تستخدم لعلاج المصابين بالميكروب غير المقاوم. وهو ما يعني أن نصف المليون شخص الذين يصابون بالميكروب المقاوم، يتعرضون لمضاعفات جانبية أشد وطأة من جراء العقاقير التي تستخدم لعلاجهم، ويتكلفون هم أو نظم الرعاية الصحية المسؤولة عنهم مبالغ مالية باهظة، دون أن يكون شفاؤهم مضموناً، حيث ينجح هذا العلاج القاسي والباهظ في شفاء نصف تلك الحالات فقط. ويمكن تقسيم أنواع ميكروب السل حسب قدرته على مقاومة الأدوية والعقاقير إلى ثلاثة أنواع رئيسية؛ النوع الأول هو المقاوم لنوع واحد على الأقل، وهو ما أظهرت الدراسات أنه موجود في جميع الدول التي خضعت للدراسات الطبية. والنوع الثاني أو متعدد المقاومة (MDR-TB)، يتمتع بمقاومة عدة عقاقير، أو على الأقل أقوى عقارين وأكثرهما فعالية في القضاء على الميكروب. أما النوع الثالث، أو ما يمكن أن نطلق عليه فائق المقاومة (XDR-TB)، فيتمتع بقدرات شبه خارقة، تمكنه من الصمود أمام الغالبية العظمى من العقاقير المتاحة حالياً. وتنتج مشكلة مقاومة ميكروب السل للعقاقير والأدوية المستخدمة في العلاج من الممارسات الخاطئة في علاج المصابين بالمرض مثل التوقف عن تعاطي العلاج قبل حدوث الشفاء التام، أو وصف جرعة غير كافية من الأساس، بالإضافة إلى ترسخ جريمة ترويج وبيع الأدوية المزوّرة، وهي الظروف التي تفاقم جميعها من مشكلة السل حول العالم بأنواعه المختلفة، وخصوصاً السل المقاوم للعقاقير والأدوية المستخدمة في العلاج، ويدفع الملايين حياتهم ثمناً لها عاماً بعد عام. ويمكن أيضاً رد جزء من هذه المشكلة إلى حقيقة أنه خلال العقود الأربعة الماضية، لم يتم اكتشاف أو تطوير عقار جديد فعال ضد ميكروب السل. وإن كان هذا الموقف قد تغير مؤخراً، مع منح هيئة الأدوية والعقاقير الأميركية في ديسمبر الماضي (خط موافقة سريعة) لعقار جديد (Bedaquiline)، يعمل بطريقة جديدة وفريدة على قتل الميكروب المسبب للمرض. والحقيقة أن العقار المعني، كان قد خرج للنور أول مرة وبعد فترة دراسة وتطوير استغرقت سبع سنوات، أثناء فعاليات مؤتمر متخصص في مضادات الجراثيم والعلاج الكيماوي عقد عام 2004. وكانت أول دراسة أجريت على العقار (مرحلة 2 فقط) قد شملت 47 مريضاً وأظهرت فعاليته في خفض الوقت اللازم للوصول بالمرضى إلى المرحلة التي لا يظهر فيها الميكروب في البصاق أو المخاط، وتلت هذه الدراسة دراسة أخرى (مرحلة 2 مرة أخرى)، نشرت نتائجها عام 2010، برعاية المنظمة المعروفة بالتحالف العالمي لتطوير علاج للسل (TB Alliance)، وإحدى الشركات البلجيكية المتخصصة في تطور أدوية لعلاج عدد من الأمراض المعدية المختلفة. ومؤخراً نجحت شركة «جونسون وجونسون» عملاق صناعة الأدوية، في الحصول على موافقة هيئة الأغذية والعقاقير في إدراج العقار ضمن خط الموافقات السريعة، وهو عبارة عن إجراءات وخطوات أسرع وأسهل، للبدء في استخدام أدوية وعقاقير حديثة، للأمراض التي لا يتوافر لها حالياً علاج فعال، وهو ما ينطبق على ميكروب السل المقاوم لعدة عقاقير، والفائق المقاومة أيضاً. وإن كانت هذه الموافقة قد أحاط بها الكثير من الشكوك والجدل، نتيجة كونها صدرت من هيئة الأغذية والعقاقير بناء على خلو بصاق المرضى من الميكروب، وليس بناء على معدلات الوفيات بينهم. حيث أظهرت الدراسات التي بنيت عليها الموافقة، ارتفاع معدلات الوفيات بين المرضى الذين يتعاطون العقار، على رغم خلو بصاقهم من الميكروب! ويظهر هذا العقار، وما يحيط به من جدل وشكوك، مدى اليأس الذي وصل إليه المجتمع الطبي في مواجهة ميكروب السل متعدد المقاومة، وفائق المقاومة، وحتى الأنواع العادية منه، حيث تظهر الإحصائيات أن ثلث سكان العالم حالياً، أو ما يزيد عن ملياري شخص، قد وقعوا ضحية -من وقت لآخر- للميكروب الذي يسبب السل. ففي العام الواحد مثلاً قد يبلغ عدد المصابين بالصورة النشطة من المرض قرابة الـ14 مليوناً، مع حدوث أكثر من 9 ملايين عدوى جديدة سنوياً، ووفيات تقارب المليون ونصف المليون سنوياً أيضاً. وعلى رغم موجة التفاؤل التي سادت المعنيين بجهود مكافحة مرض السل على الصعيد الدولي خلال العقدين الماضيين، انطلاقاً من نجاح استراتيجية مكافحة المرض خلال تلك الفترة (Stop TB Strategy)، والمنسوب إليها إنقاذ حياة 20 مليون شخص بين عامي 1995-2011، إلا أن هذه الموجة قد شهدت انحساراً ملحوظاً مؤخراً، في ظل تزايد المخاوف من فشل جهود التحكم والوقاية، والشعور بالحاجة إلى منهج ورؤية حديثة في التعامل مع السل، نتيجة ارتفاع معدلات الإصابة بأنواع الميكروب المقاومة لجميع أنواع العلاج المتاح حالياً.