أصبحنا اليوم في عصر «الكراهية المتبادلة» بين الطوائف الدينية والمذهبية. كل طائفة تسعى بكل جهدها، موظفةً علماء مذهبها ورجالها ومستثمرةً وسائل إعلامها لتغذية وترسيخ «الكراهية» تجاه الأخرى. وما حصل ويحصل اليوم في سوريا أجج «الطائفية» ونفخ في نارها، وتدخل «حزب الله» وتنكيله بأهالي القصير نساءً وأطفالا وممارساته الطائفية المستفزة في إعلانه القُصَير مدينةً شيعيةً ورفْع أنصاره ومقاتليه «راية الحسين» على مئذنة مسجد عمر بن الخطاب وسط هتافات طائفية ثم رقْص مقاتليه على وقع دماء وأشلاء أهالي القصير فرحاً بانتصارهم، كل ذلك زاد نار الفتنة الطائفية اشتعالاً. «حزب الله»، يمثل أقلية وسط أغلبية كانت تمجده حزباً للمقاومة، فانقلب خنجراً طائفياً مسموماً في ظهرها، فكان من رد الفعل الطبيعي أن يتنادى العلماء والمشايخ من 70 منظمة وجمعية دينية لتنظم مؤتمر «نُصرة سوريا» في القاهرة للمطالبة بفتح باب الجهاد وضرورة الدفاع عن الشعب السوري بالنفس والمال والسلاح، وهم يرون مشاهد مروعة، نحر ودماء وأشلاء وسط تكبيرات طائفية... فكيف يهدأون؟! عندما تتصاعد أصوات الكراهية في الجانبين وتلتهب المشاعر فإن أصوات أهل الاعتدال والحكمة تضعف أو تُهمش، ومع ذلك، فإن خطاب الكراهية ليس حلاً، لأن ضحاياه في النهاية هم الأبرياء مصداقاً لقوله تعالى «واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة». لو كان خطاب الكراهية حلاً، لَنفَع من قبل، ولما بقيتْ الفرق والطوائف الدينية في المجتمعات الإسلامية ألف عام، وهي في صراعات وانقسامات وعصبيات متفرقة. في مقالته القيمة «فاتورة حزب الله الطائفية»، تساءل الكاتب والباحث الكويتي خليل علي حيدر: ماذا نستطيع أن نعمل في وجه هذا الظلام وهذه الكراهية؟ وأجاب: القليل! فالمسافة بين مجتمعاتنا والعصور الوسطى بسيطة، ولا تزال تتقلص! واستشهد بما ذكرته الكاتبة السعودية المبدعة بدرية البشر عن فنان سعودي ذهب لتعزية فنان كويتي من الطائفة الشيعية في وفاة حفيده في حُسينية كويتية بنيت من 100 عاماً، فنشرت صورة الفنان السعودي في «تويتر» ومعها كلام طويل يُشهر به ويصفه بالخيانة: كيف يقتل نظام طائفي أطفال القصير بينما أنت تقدم العزاء في أبناء هذه الطائفة التي منهم القتلة؟ لكني أرى أن دور أهل الاعتدال والتسامح، اليوم، أكبر وأكثر إلحاحاً، وهم يستطيعون فعل الكثير إذا أحسنوا معالجة الأمور وتلطّفوا وتحلوا بالحكمة والتبصّر، الحاجة اليوم إلى أهل الاعتدال والحكمة أشد، لأن الكراهيات المتصارعة ستحرق الأخضر واليابس بنارها، وتدمر أصحابها أيضاً. علينا ألا نستصغر حتى هذا «القليل» الذي نستطيع عمله، فبتعاون المعتدلين في الجانبين وبخطابهم المتبصّر، يصبح هذا «القليل» كثيراً، وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح، ولله عاقبة الأمور. وليس معنى المعالجة بالحكمة والتبصر والتلطف أن نقف محايدين بين الحق والباطل ولا ننتصر للشعب المضطهد من قبل نظامه القمعي الذي قتل منهم أكثر 100 ألف وشرّد الملايين من النساء والأطفال الذين أصبحوا في حالة بؤس عظيمة. ليس معنى الاعتدال والتسامح أن نسكت على المظالم والفظائع التي يرتكبها النظام السوري وحليفه «حزب الله» والحرس الثوري الإيراني في حق الشعب السوري. فالكل يعرف اليوم ما كان ينكره مناصرو «حزب الله» وإيران من تدخلهم السافر في قتل الشعب السوري، الشعب السوري اليوم يواجه إيران و«حزب الله» في بلادهم وليس النظام فحسب، فهذا النظام شبه ساقط، ولولا استماتة إيران و«حزب الله» في الدفاع عنه لانهار منذ زمن بعيد. ومن هنا يجب أن ندرك أن ما يحصل في الساحة السورية ليس صراعاً طائفياً كما يصوره قطاع كبير من الناس بل صراع المحور الإيراني وحلفائه ضد المصالح العربية العليا، بل أذهب أبعد من ذلك لأقرر أن ما يحصل في سوريا من قبل أنصار النظام إنما يهدد ويشكل خطراً كبيراً على «الأمن القومي العربي» وعلى أمن الخليج بالدرجة الأولى، ولذلك فإن واجب دول الخليج التدخل الفعلي والرسمي بالنفس والمال والسلاح وبكل قوة، وأن يكون ذلك معلناً لإسقاط النظام وإفشال المخطط الإيراني. لكن يجب أن نكون على حذر تام ويقظة عالية من أن مواجهة إيران في سوريا، أمر والتهجم على الطائفة الشيعية والتشكيك في وطنيتها وقوميتها أمر آخر، ولا يجوز الخلط بين الأمرين، ولا التعميم ومحاسبة إخواننا ومواطنينا من الشيعة بجريرة «حزب الله» وفظائعه، ولا بمخططات إيران ونهجها التدخلي التخريبي في المنطقة. لا يجوز بأي حال من الأحوال ولا ينبغي تحت أي ظرف من الظروف، ومهما كانت المبررات والمسوّغات الضاغطة، ومهما بلغت الآلام والمرارات والعذابات التي نعانيها من مشاهدة مناظر الذبح والنحر والقتل والاستفزاز الطائفي العنيف، لا يجوز أن ننزلق إلى «الفخ الطائفي» فنتهم قطاعاً غالياً من مواطنينا في وطنيتهم وقوميتهم. لا يجوز التشكيك في وطنية الشيعة وحبهم وولائهم لأوطانهم مهما بلغت جرائم «حزب الله» وولية نعمته إيران ضد السنة. لأن هذا هو ما تسعى إليه إيران في المنطقة، فهي تريد جاهدة عبر تدخلها وأموالها ووكلائها ومرتزقتها وميليشياتها ووسائل إعلامها، «اختطاف الشيعة العرب من أوطانهم وتحويلهم إلى خدمة مخططاتها»، تماماً كما فعلت إسرائيل من قبل حين سعت إلى التنغيص والتضييق على الجاليات اليهودية في البلاد العربية بهدف تهجيرهم إلى فلسطين. يجب علينا كأفراد ومجتمعات، وكعلماء ومشايخ ومثقفين وكتاب وإعلاميين، أن نكون على وعي وإدراك لهذا المخطط الإيراني. إيران تريد أن تدفع الأغلبية العربية السنية إلى التشكيك في مواطنيها العرب الشيعة حتى تكسب ولاءهم السياسي وليس المذهبي فحسب، وهكذا يفعل «حزب الله» بممارساته الطائفية، فلنكن على حذر، وليكن المشايخ والعلماء على تبصر من الأمر. فهؤلاء الذين ينقادون لعواطفهم الطائفية فيحرّضون ويصعّدون، إنما يخدمون المخطط الإيراني وهم لا يشعرون. وختاماً: على أهل الاعتدال ألا يخشوا شيئاً وأن لا ينعزلوا ويعزوا أنفسهم بأن المد الطائفي اليوم عال والأفضل السكوت، فإني أرى العكس تماماً، فهذا يومهم، وهذه مسؤولياتهم، وكبح جماح التعصب والتطرف والكراهية هو عملهم الأساسي الذي تنتظره مجتمعاتهم منهم.