كيف سيكون المشهد العام لأمة طال ليل القهر والحزن في وقتها منذ عقود، وكانت الضحية السهلة في كل تقاطعات المصالح المهمة بين الغرب والشرق؟ هل عرف التاريخ أمة كأمتنا العربية تحول جسدها إلى مشاع يخطو فوقه كل صاحب حذاء مزين بالأشواك والمطامع الدفينة؟ أزعم أن أيام الشقاء قد آن زوالها، وآن للربيع أن يزهر وتنمو وروده على حواف الواقع الصعب والمرير لدرجة قاسية في كثير من أقطار العروبة. الإطار سيكون مشعاً بأضواء مفرحة، وجيل حر قادم احتل فضاءاته بتغريدات مدهشة، وعِلم صار في المتناول وتحول إلى أداة طيعة في يد أجيال وعدت ذاتها بأن لا تكون تكراراً لواقع أهلها. فالغمة التي تحتل أرض سوريا العربية وصلت لمرحلة اللاعودة، وسقوط نظام ديكتاتوري مجرم أصبح مسألة محققة ومؤكدة لا شك فيها. وتداعي الأمم ضد وقع كلمة «جهاد» والخوف منه، جعل الحقائق تبدو أكثر وضوحاً؛ فسوريا لا تخشى البتة من الجهاديين ولا من المتطرفين الإسلاميين كما يسميهم الغرب، فقد عاشت هذه البلاد حاضنة لأطياف عديدة دون أدنى خلاف بينها، والإجماع اليوم لدى الجميع أنه لابد أن يسقط نظام اعتبر وجوده رهناً بخراب وطنه وسفك دماء أهله. سيتبوأ مقعده من الهزيمة قريباً، ولا خوف البتة بعد ذلك على السوريين في بلادهم، أو حتى من الفشل في إظهار القدرة الحقيقية على إعمار كل الخراب الذي ألحقه النظام بمقدرات الوطن السوري. المشهد سيضم أيضاً مصر، قصب الأمة التي ستنجح حتماً، فأرض الكنانة طوال تاريخها لم تخضع إلا لاسمها، ووجودها ارتبط دوماً بشعب متزن يعرف تماماً ماذا تعني بلاده له. وخلال ذلك كله ستكون دول الخليج هي صمام أمان الأمة؛ ملاذ الخائفين ومهوى أفئدة الباحثين عن فرص أفضل للحياة والعيش الكريم. هي التي سيأتي ضوء المشهد منها، وبها سيكون الانطلاق نحو المستقبل، ولن يجرها للخلف أي عائق مهما تكن المبررات. ستبقى فلسطين وجع الخاصرة، لكن المشهد سيشملها وسيكون النصر القادم على موعد مع أرض فلسطين كاملة، وستكون الأمنيات مطلقة بأقمار فلسطين المتوجة بالحرية. عندما ترتدي الأمة ثوب الحرية والعزة، لابد أن تعود فلسطين وتسكن جراح طالما سكنها الملح وضوء الرجاء. ففلسطين ما هي إلا الحلقة الأهم والأخطر والسبب في هذه الهزائم جميعها والقادمة من كل حدب وصوب. فلولا قبول البعض باحتلالها لكان للعرب شأن آخر. وجع فلسطين لا يترك لنا فرصة الفرح القادم من أعماق الروح. آن أوان الحرية لفلسطين ولكامل بلاد العرب، ليكتمل المشهد ويتحول إلى ألوان ربيعية دائمة بعد ليل الشتاء الطويل.