يرى كلينتون أن أوباما يمكن أن يبدو مثل «شخص أحمق» إذا قرر عدم التدخل عسكرياً في الحرب الأهلية السورية المتواصلة. كلينتون، الذي شبَّه الوضع بقراره التدخل في كوسوفو عام 1999، قال يوم الثلاثاء الماضي إنه لو لم يستعمل القوة لوقف حملة التطهير العرقي التي كانت تقوم بها صربيا، لقال له المنتقدون: «لقد كان بإمكانك أن توقف ذلك عبر إلقاء بضع قنابل. فلماذا لم تفعل؟». ويعتقد كلينتون أن أوباما يمكن أن يبدو كـ«شخص جبان» إذا لم يتدخل. ولكن يبدو أن الرئيس سيتحرك. فإعادة سيطرة القوات الموالية لحكومة بشار على بلدة القصير الاستراتيجية مؤخراً، والاعتراف العلني للبيت الأبيض باستعمال النظام السوري لأسلحة كيماوية - متجاوزاً بذلك «خطاً أحمر» - أقنعا أوباما بتبني عقيدة التدخل وتقديم الأسلحة للثوار، إلا أنه كان يجدر به ألا يقوم بذلك. والواقع أن أوباما، الذي يفتقر إلى استراتيجية واضحة، أضحى ضحية لفخ الخطابات أثناء «الربيع العربي» - من دعوة بعض الزعماء الأجانب إلى الرحيل،(من دون امتلاك مخططات لتنحيتهم بالقوة) إلى الإعلان عن خطوط حمراء على استعمال الأسلحة الكيماوية، ثم الاضطرار إلى تنفيذ تهديده. ومنذ عامين تقريباً، وإدارة أوباما تصف النظام السوري باعتباره «فاقداً لكل شرعية»، و«يتمسك بالسلطة». ومع ذلك، صمد هذا الأخير على نحو مفاجئ، وذلك لأن أي من الادعاءين دقيق في الواقع. فالأسد مازال يتمتع بدعم قوي من بعض السوريين، ومن ذلك أشخاص ينتمون إلى الطبقة الحضرية السُنية. ولئن كانت المساعدة التي تتلقاها سوريا من حلفائها الخارجيين، مثل إيران وروسيا، مهمةً، فإنها ستكون دون أهمية كبيرة، لو أن نظام الأسد لم يكن مدعوماً من قبل جزء معتبر من السكان. ولكن دعاة التدخل يميلون إلى فصل أعمالهم عن عواقبها على المدى الطويل، وقصر النظر هذا غالباً ما يكون مصحوباً بسوء فهم للسياق السياسي والثقافي لحيث يريدون التدخل. والواقع أن كلا المشكلتين موجودتان في المقاربة الأميركية الحالية تجاه سوريا. فالثورة السورية ليست ديمقراطية أو علمانية، والحصيلة الثقيلة التي تفوق 90 ألف قتيل هي نتيجة حرب أهلية، وليست إبادة جماعية - كما أن انتهاكات حقوق الإنسان ارتُكبت على الجانبين. وعلاوة على ذلك، فإن الثوار لا يتمتعون بدعم أغلبية واضحة من السكان، واحتمال حدوث تطهير عرقي للأقليات، لا يزال أكبر في ظل حكومة يقودها الثوار منه تحت الأسد، وبالمثل، فإن إمكانية سقوط أسلحة كيماوية في أيدي مجموعات إرهابية يزداد أكثر بالتوازي مع ازدياد ضعف النظام. وأخيراً، فإن انتصاراً للثوار من المحتمل أن يزعزع استقرار العراق ولبنان، كما أن الفوضى الحتمية التي ستحدث في سوريا ما بعد الأسد تشكل تهديداً أكبر لإسرائيل من الوضع الحالي. الدور المسؤول لقوة عظمى وحيدة لا يتمثل في انتقاء هذا الطرف أو ذاك في حرب أهلية، وإنما في المساعدة على إيجاد حل للنزاع وتبني سياسة محايدة. ولكن بدلاً من ذلك، انحازت الولايات المتحدة إلى طرف واحد في نزاع طائفي إقليمي، وبذلك أثارت عن غير قصد غرور السُنة ومخاوف الشيعة - وهي التأثيرات نفسها(ولكن بالعكس)، التي تسبب فيه تدخل الولايات المتحدة في حرب العراق. ثم إنه خلافاً لتونس ومصر وليبيا، فإن الثورة في سوريا تعني من جملة ما تعنيه قلب نظام سياسي طائفي؛ وبالتالي، فإنها تخل بالتوازن الطائفي الهش الموجود في المنطقة. والأكيد أنه من دون «جنود على الميدان»، فإن تزويد الثوار بالأسلحة أو إقامة منطقة حظر جوي يمثلان أنصاف تدابير من غير المحتمل أن تدفع في اتجاه نتيجة تخدم المصالح الأميركية أو تغيِّر حسابات الأسد حتى يتنحى عن الحكم – كما أنها تؤدي، في هذه الأثناء، إلى ازدياد دموية النزاع من دون المساهمة في التوصل لنهاية حاسمة. ولعل الأهم من ذلك هو أن أوباما، ومن خلال تسليحه للثوار، لا يضع الولايات المتحدة في حرب بالوكالة مفتوحة مع روسيا وإيران فحسب، وإنما يزيد من الرهان أيضاً. ونتيجة لذلك، فإنه يعرِّض مصالح أميركية أكبر وأهم للخطر. والأكيد أن إضعاف حلفاء الأسد، مثل إيران و«حزب الله»، يصب في مصلحة الولايات المتحدة. غير أن التدخل في سوريا يمكن أيضاً أن يضر بأهداف أميركية أكثر أهمية مثل الحصول على تعاون روسيا، بخصوص حل مشكلة برنامج إيران النووي والحفاظ على الاستقرار في العراق. ثم هناك أيضاً خطر أن يأتي التدخل بنتائج عكسية، ذلك أن دعم قوات الثوار المفضلة من قبل الولايات المتحدة لمواجهة تأثير المجموعات الإسلامية المتشددة التي تقاتل الأسد أيضاً، قد يعطي نتائج عكسية، ويزيد من العداوات، الأمر الذي قد يؤدي إلى مزيد من التفرع في خطوط تصدع الحرب الأهلية، ويجعل الإسلاميين المتشددين المهيمنين ينقلبون على الثوار المدعومين من الغرب. وحينها، سيجد الأسد نفسه يخوض حرباً ضد ثوار يقاتلون بعضهم بعضاً. إن ولاية الأسد الحالية كرئيس تنتهي في مايو 2014، وهو أمر يمكن أن يتيح آلية تحفظ ماء الوجه لحدوث انتقال سياسي والحفاظ على سلامة مؤسسات الدولة. وإذا استطاعت الولايات المتحدة وروسيا الاتفاق على ذلك، فإنه يمكن في تلك الحالة توسيع المفاوضات حتى تشمل قوى سنية وشيعية إقليمية، قوى تستطيع كبح وكلائها في سوريا، ثم القيام بوساطة بين أنصار الأسد والثوار. والواقع أن أوباما سيكون أكثر حكمة وتعقلا لو أنه قام بجهود دبلوماسية أولاً قبل الخضوع لسذاجة منتقديه الذين يدعون إلى التدخل، وذلك لأن التدخل في سوريا لن يعرف نهاية شبيهة بالنهاية التي عرفتها كوسوفو بالنسبة لكلينتون. وخلاصة القول إن سوريا تشبه العراق، باستثناء أنها أسوأ. ---------- رمزي مارديني زميل المعهد العراقي للدراسات الاستراتيجية في بيروت --------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»