هذه الإشارة التي خرجت من صناديق الاقتراع في إيران، قد تكون بارقة أمل، وقد تكون سراباً. لا يكفي أن يكون حسن روحاني نقيض أحمدي نجاد ليصبح التغيير مضموناً. ولا يكفي أن يدعم «الإصلاحيون» روحاني ليصبح هذا الأخير إصلاحياً. ثم ما معنى الإصلاح في نظام مغلق كهذا، فلا أحد يجهل من يصنع السياسات ومن يتخذ القرار. كما أن الأهداف الاستراتيجية الرئيسية سواء بالنسبة إلى البرنامج النووي أو مسألة النفوذ الإقليمي، باتت محددة لمصير النظام نفسه، ولا يمكن المسّ بها، إذ أن أي تراجع أو خسارة في هذه الأهداف، ستترتب عليهما خسارات كثيرة أخرى. هذا لا ينفي أن اقتراع الجمعة الماضي، أقله بالنسبة إلى الناخبين، حمل دلالات عدة تشير إلى أن الأوضاع الداخلية بلغت حدّاً لا يحتمل. هل صوّت «الإيرانيون» من أجل التشدد في البرنامج النووي، أو من أجل تبذير موارد البلاد وتبديدها في دفاع بائس على نظام بائس في سوريا، أو من أجل مواجهة بلا نهاية مع الغرب، أو من أجل مواصلة التهديد للجيران العرب وغير العرب، أو من أجل مشروع امبراطوري أخفق فيه الشاه ويريد النظام الحالي تحقيقه بأي ثمن حتمي لو تطلب حروباً مذهبية أو إفقاراً للشعب الإيراني؟ بالطبع لم يصوتوا لإدامة الدولة الأمنية القائمة، وإما لما هو أبسط من ذلك: أن يستعيدوا الحياة الطبيعية، وأن يستعيد اقتصاد إيران عافيته ونموه. لم يترشح روحاني من أجل إصلاح النظام، فهذا هدف مستقبلي بعيد المدى، لكنه، مثل علي أكبر هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي وغيرهما من حكماء مؤسسة الحكم، يرى أن البلد في حاجة إلى وقفة إنقاذية، إلى مراجعة لا بد منها، هذا ما عبر عنه خلال حملته الانتخابية، وهذا ما قاله رفسنجاني في لحظة قدّم ترشيحه. الإنقاذ. ممَ وممن وكيف؟ لا أحد يعرف، ولا حتى روحاني، الذي سيضطر إلى التفاوض والمساومة لتوضيح صلاحياته وممارستها. لا شك أنه ليس نجاد، أي أنه ليس الرجل الذي سيكتفي بأن توكل إليه فقط مهمة تبرير السياسات والدفاع عنها والنطق بما لا يشارك في صنعها، وأن يتولى بالتالي الشأن الداخلي بإمكانات محددة وآفاق مسدودة. وإذا كان متوقعاً منه أن يهتم بالاقتصاد أولاً، وقبل كل شيء، فكيف له أن يفعل إذا كان الاقتصاد محكوماً بعقوبات قاسية جلبها البرنامج النووي. وبتورطات إيرانية في الخارج - كما في سوريا، تحديداً - باتت تقضم مقداراً مهماً من موارد البلد. ثمة بُعد بالغ الدلالة في انتخاب روحاني، فهو فاز على من وصفوا بأنهم «مرشحو المرشد»، وإذا لم يكونوا مرشحيه فإنهم يعملون معه، وهذا في حد ذاته يضخم معنى خسارتهم. قد يُقال إن عدم تنازلهم لواحد منهم ليبقى في السباق ساهم في تشتيت أصوات «المحافظين»، لكن لماذا لم يتوحدوا طالما أن الاستطلاعات أظهرت ثبات صعود روحاني، هذا هو السؤال. يضاف إلى ذلك أن أشد الانتقادات وأعمقها هي التي تبودلت بين القريبين من خامنئي، ويعني ذلك ما يعنيه بالنسبة إلى تقويم السياسات. لكن النظام نفسه لا يعير اهتماماً لمثل هذه التفاصيل، فالكل رجاله في نهاية المطاف. أليس مجلس صيانة الدستور هو الذي أجاز الترشيحات، وجازف برفض رفسنجاني الذي كان ولا يزال مسؤولاً عن تشخيص مصلحة النظام؟ لم تكن هناك مقدمات حقيقية موحية بأن النظام الإيراني في صدد التغيير، وفي هذه المرحلة تحديداً، والأرجح أنه لن يظهر أي تغيير في القريب العاجل. سيكون على الرئيس المنتخب أن يحدد عاجلاً ما هي أولوياته «الإنقاذية»، ويعتقد أنه سيركز أولاً على الشأن الداخلي. وقد يطلق بعض الرسائل في اتجاه الخارج، فخلال الحملة هناك ميل الآن إلى إلقاء كل تبعات الصعوبات الداخلية والتأزيم الخارجي على شماعة نجاد. ولا شك أنه يتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية خصوصاً بسبب سوء الإدارة. لكن الاقتصاد هو المأخذ الرئيسي على إدارتي خاتمي ورفسنجاني قبله، فمعهما كانت إيران تعاني آثار الحرب مع العراق وتجهد للخروج من تداعياتها على الاقتصاد، وما أن بدأت تتعافى حتى دخلت في دوامة العقوبات. من هنا إن الاستحقاق الأول الذي يتوقع الناخبون أن ينكبّ روحاني عليه، هو نفسه الاستحقاق الذي لا أحد يملك ألاعيب سحرية لإحداث فارق فيه.