تتداخل وتتقاطع سياسات ودوافع وردود أفعال الدول على مستويات أربعة: المحلي الداخلي، والإقليمي، والمستوى الدولي وأخيراً العالمي. وإيران عبر المستويات الأربعة تحمل حقيقة الضعف الداخلي وقابلية الانهيار للنظام، وخطورة القوة في السياسات الصراعية الإقليمية والدولية، كما قابلية بقاء إيران كحجر في رقعة شطرنج السياسة العالمية بين الدول العظمى. المستوى المحلي، تعيش إيران أوضاعاً اجتماعية واقتصادية قاسية، فقد ألقى الضعف في الاقتصاد الإيراني بسبب العقوبات بسهامهِ ليشير إلى ارتفاع معدلات البطالة والجريمة، كما سهم ثان يشير إلى ارتفاع أسعار الموادّ الأساسية في السوق الداخلية الإيرانية، مقابل سهم آخر يشير نحو هبوط قيمة العملة الإيرانية ونقص في السلع الضرورية، وكل تلك السِهام تؤثر سلباً على شرعية النظام السياسي للملالي واستمرار بقائهِ. ويبقى الوضع الاقتصادي الحرج، الذي تمر به إيران على خلفية العقوبات المفروضة عليها من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة بسبب برنامجها النووي وسياساتها العدائية له الأثر القاطع على وضع المواطن الإيراني ومستوى معيشته، وهي أمور يفترض أن تؤثر على انتخابات هذا العام بشكل كبير. ورغم الاعتقاد بأن الظروف الاقتصادية والاجتماعية السيئة قد تقود إلى مظاهرات واحتجاجات كبيرة في الشارع الإيراني، فإن ذلك لن ينزع النظام السياسي من أيدي «المحافظين»، بسبب سلطة المرشد الأعلى وقوة الحرس الثوري الإيراني المنتشرة داخل إيران وخارجها، فالقبضة الملالية ليست على التيار «المحافظ» وحسب، بل على التيار «الإصلاحي» والمعتدل والمستقل، وهي راجعة إلى قوة وصلاحية المرشد والحرس الثوري. بما أن نظام الملالي باق في شكلهِ أو نفوذهِ على الرئيس القادم، فإن الوضع الداخلي سيسوء من مسلمة أن السياسة والاقتصاد صنوان، إذا لم تتغير السياسات الإيرانية على المستويين الإقليمي والدولي، فإن الوضع الاقتصادي سيتردى أكثر فأكثر، وليس للمدرسة الدينية في «قم» أن تنبت صالحاً في المستقبل، لأن طلابها اشتهروا في مدينتهم المقدسة بجرائم الاغتصاب والمتعة، وهذه ثقافة وممارسات طلاب الدين هناك، فلا تعجب من سياساتهم وثقافاتهم وتوجهاتهم إذا كبروا وتسلطوا بسلطةً ما. المستوى الإقليمي، ومن حقيقة لا تقبل الجدال بأن إيران تطمح إلى هيمنة عسكرية نووية ومذهبية عابرة للقومية وفرض سياسة تعكس سياساتها في الأولوية على الآخر، فالمنطقة الخليجية أصبحت تضيق ذرعاً بسبب تدخلات إيران عبر المذهبية الشيعية في دول مجلس التعاون في الكويت والبحرين والمنطقة الشرقية من السعودية، كما أن إيران تكرس احتلالها للجزر الإماراتية، فيما تحتل القرار السياسي العراقي عبر المكون الشيعي للمالكي وحزبه، ومن يدور في فلك المذهبية الشيعية، وهناك المؤامرات الإيرانية في دول الخليج، التي تصل إلى زعزعة الأمن والاستقرار عبر روح الانتماء إلى المذهبية التي باتت تغلب وتقتل روح المواطنة. ليس هنا يكمن الصراع، بل يتمدد عبر الوضع السوري الجاري بين نظام «البعث» وثوار الحرية والعدالة، فقد شكلت إيران وذراعها «حزب الله» مع أطراف عراقية تتبع إيران وضعاً للحرب الطائفية في سوريا، مما أثار دول مجلس التعاون ودولاً عربية وغربية أيضاً، والذي قد يترتب عليه اعتبار «حزب الله» منظمة إرهابية كما اعتبرتهُ البحرين. وقد انحدرت شعبية «حزب الله» في دعمهِ لنظام الأسد وبروز ناب الطائفية حتى أن هناك شخصية (داعية دينية) وصفهُ بحزب الطاغوت والشيطان بعد التعاطف السابق معه. ليس هنا نقف، فلبنان كدولة تخشى «حزب الله» بسبب قوتهِ كميليشيا فيها روح الملالية، ولبنان منذ بدأ مسلسل الاغتيالات بالحريري، وهي على حافة حرب طائفية داخلية كدولة ليس لها هيبة القانون والسلطة وليس بها أمن. وحقاً أن الدور الإيراني الإقليمي دور هادم ومهدد لاستقرار المنطقة العربية. ليس للعلاقات الإيرانية الإقليمية مسار مستقر، فعلاقتها بتركيا ليست إلا علاقة ند ورادع للبروز، وإن كانت هناك علاقات اقتصادية قوية ودبلوماسية مرنة. وأما مصر فهي مع إيران ليس في شيء، إلا أن مرسي وجماعتهِ يبحثون ضالتهم في مد نجاح الثيوقراطية في المنطقة على غرار إيران، فمصر بكل قياداتها وتاريخها وتحولاتها لا تستطيع خلق علاقات إيرانية على حساب دول مجلس التعاون بسبب البعد اللغوي والديني والتاريخي، أي علاقة التأثير والتأثر أقوى بين الجانبين. وجماعة مرسي اليوم تبكي صراخاً للجماهير، لكي تحصل على تعاطف ومشروعية لهم بسبب مشروع سد «النهضة» الأثيوبي، وتصور جماعة «الإخوان» الباكية أن مصر اليوم تتعرض لتآمر دول عربية عليها، إنها صور أقرب للدعاية الناصرية، فتهديد الأمن المصري واضح كل الوضوح في الشأن المائي الذي يمكن التعاون حولهُ بين دول النيل فينتفي، أما أمن الخليج معضلة أكبر وأخطر بين أطراف عدة من دول الخليج الثماني واليمن إلى واشنطن وموسكو وبكين منذ عام 1979. وإذا نظرنا إلى العلاقات الإيرانية مع دول آسيا الوسطى، سنرى تداخل الدور التركي والإيراني كدور له أبعادهُ التاريخية والعرقية واللغوية في آسيا الوسطى مع الدور الروسي والأميركي لما تحمله المنطقة من ثروات طبيعية وموقع استراتيجي يدفع الولايات المتحدة فيه لمزاحمة روسيا، التي تبحث عن مجد الاتحاد السوفييتي، إذاً المنطقة بها مصالح دول كبرى تتقاطع مع دور الدول الإقليمية. المستوى الدولي، فالنظرة الدولية لإيران أنها لا تتعاون مع وكالة الطاقة الذرية، وتحاول الهروب من الشرعية الدولية. كما أن العقيدة والثقافة السياسية لدى قادة النظام السياسي الملالي والدور الإيراني في العلاقات الدولية منذ عام 1979، يصور بلا شك حقيقة أن إيران لو امتلكت التكنولوجيا النووية السلمية ستدخلها في الجانب العسكري، وستحاول فرض هيمنتها على منطقة الخليج والشرق الأوسط، والذي بدورهِ سيكون خطراً على أمن واستقرار النظام الإقليمي والدولي. كما أن سلوك إيران سيشجع دولاً عديدة على السعي لحيازة القوة النووية بغرض الحصول على مكاسب سياسية واقتصادية، وربما نشهد ردعاً متبادلاً في منطقة الخليج بالذات مصحوباً بردع مع تركيا أو حلف «الناتو» لطبيعة عضوية تركيا، ولا نستبعد في ذلك إحدى دول آسيا الوسطى. لذلك تبقى العقوبات الاقتصادية الدولية على إيران وسيلة لردع إيران عن مخططات الهيمنة الإقليمية والدولية. المستوى العالمي، وهنا نقصد الدول العظمى، فسياسة روسيا والصين تصور مزيجاً من إصرار القوة العظمى والنزعة المناهضة للغرب في دعم طهران ونظام الأسد وصولاً إلى معضلة الأمن في آسيا عبر كوريا الشمالية ومحاولة دعم أي توجهات سياسية في أميركا الجنوبية ضد الغرب وتحديداً الولايات المتحدة، كل ذلك يرمي إلى خلق دول مناهضة للسياسة والتواجد الأميركي، فموسكو وبكين تريدان إعادة العلاقات بين الدول العظمى والكبرى على حسابات جديدة في الأهداف والمصالح الأمنية والاقتصادية على خريطة العالم. فبفقدان دوافع التأثير السياسي والأيديولوجي والعسكري التي كانت متاحة للاتحاد السوفييتي، فإن روسيا برجلها الأول بوتين تبحث عن الأدوات الاقتصادية «كالنفط والغاز»، والسياسية الأمنية «كلاعبين إقليميين» في جهودها للمحافظة على نفوذها في العالم.